#adsense

بين زيارة واشنطن وزيارة دمشق

حجم الخط

بين زيارة واشنطن وزيارة دمشق

قبل ان تبدأ زيارة الرئيس ميشال سليمان الرسمية لواشنطن، انطلقت ضده حملة سياسية – اعلامية منسقة حاولت ان تظهر رئيس الجمهورية بمظهر الرئيس المنقوصة تغطيته السياسية. وعزا البعض هذه الحملة الى سببين: اولهما ان سليمان، وان يكن اتصل بالرئيس السوري بشار الاسد عشية مغادرته، الا انه لم يدخل في تفاصيل الزيارة مع نظيره السوري، ولا أطلعه مسبقاً على مضمون كلامه مع الاميركيين بالتفاصيل المملة التي يهواها السوريون ولا سيما منهم الاسد الابن. اما السبب الآخر فكان نوعا من الاعتراض الوقائي لـ"حزب الله" على زيارة رئيس الجمهورية للعاصمة الاميركية باعتبار ان الحزب كان يفضل تأخير الزيارة، لا بل عدم حصولها، وخصوصا ان الرئيس سليمان هوالرئيس اللبناني الاول الذي يستقبل في واشنطن منذ سنوات عدة تميزت بمقاطعة الاميركيين للرئاسة اللبنانية ابان ولاية الرئيس السابق اميل لحود. فكانت زيارته نوعاً من اعادة وصل ما انقطع، اقله في الشكل.

لم يكسر سليمان قاعدة سار عليها منذ ان كان قائدا للجيش، ثم بعد انتخابه رئيسا للجمهورية في اطار تسوية "الدوحة"، وهي انه ينظر بدقة الى موازين القوى السائدة ويتعامل معها ويحترمها بشكل عام. فهو من حيث تكوينه وتربيته اقرب الى المناخات الاستقلالية والسيادية، لكن موازين القوى التي فرضها سلاح "حزب الله" بعد خروج السوريين في نيسان 2005، ثم اشعالهم حربا اقليمية صيف 2006، وانقضاضهم على مدينة بيروت، واحتلالها في ايار 2008، اقنعته ربما بالتعامل مع الواقع من دون الوقوع في اوهام.

في زيارة واشنطن التي يعود منها في الساعات المقبلة، لم يخرج سليمان عن سياق معين في التعامل مع دمشق، فقد حرص على احاطة بشار الاسد بمضمون الزيارة واهدافها في الاتصال الهاتفي، وربما عبر قنوات اخرى غالباً ما يستخدمها. ولكن بدا من خلال رد فعل المتأثرين بالموقف السوري ان الاسد لم يكتف بما قدمه اليه سليمان، فمع كل خطوة اقليمية يخطوها الى الامام يحاول الرئيس السوري ان يترجمها مزيدا من النفوذ في لبنان، اكان في الشكل ام المضمون. وكانت مقدمات زيارة الرئيس اللبناني الى واشنطن من حيث الحملة الوقائية التي شنت عليه اشارة الى ان الجار المتعب يريد ان يحيي اسلوباً قديماً في "التنسيق" بين البلدين.

اما في واشنطن فلم يشذ سليمان عن مساره في التعامل مع موازين القوى السائدة، فتحدث بلغة ارضت "حزب الله" لجهة سلاحه، من دون ان يخضع تماما للاملاءات التي نشرت في بعض الصحافة اللبنانية، من قبيل ان يطلب الرئيس اللبناني من نظيره الاميركي باراك اوباما طي صفحة القرار 1559، باعتبار ان الشق الخارجي منه قد نفذ اما الشق الداخلي المتعلق بسلاح الميليشيات فقد جرى الاتفاق على نقله الى طاولة الحوار الوطني اللبناني. واكتفى سليمان بالحصول على تفهم اميركي للحوار الوطني بشأن سلاح "حزب الله". طبعاً كان من السذاجة ان يظن البعض بأن سليمان يطلب من الاميركيين انهاء العمل بقرار بأهمية القرار 1559. واهميته لا تتأتى من دعم الاميركيين بل ايضا وخصوصا من كونه قراراً استقلالياً تاريخياً بالنسبة الى لبنان. انه بمثابة صك استقلال دولي للبنان.

في موازاة زيارة رئيس الجمهورية لواشنطن، زيارة لرئيس الحكومة سعد الحريري يجري الحديث عنها بإسهاب، حتى قبل وصول الدعوة السورية الى الحريري. فالزيارة ستحصل، ولكن ما من احد حتى اليوم يملك معطيات دقيقة بشأنها شكلاُ ومضموناً. وقد حرصت القيادة السعودية، وفي مقدمها الملك عبد الله خلال زيارة الحريري الاولى للمملكة رئيساً لحكومة لبنان، على احاطته بمظاهر التكريم التي تخطت البروتوكول في اكثر من مجال، للاشارة الى تعلق السعودية على اعلى مستوى ( مستوى الاسرة الحاكمة) بحيثية سعد الحريري. وربما كانت هذه الاحاطة رسالة للسوريين ايضا. من هنا وعلى رغم موضوع الاستنابات القضائية السورية في حق شخصيات استقلالية، وهي على العموم سخيفة، فإن السوريين سيكونون مدعوين الى التعامل بجدية وبكثير من الدقة والتنبه في الشكل والمضمون مع زيارة رئيس الحكومة لانه وللمرة الاولى منذ مدة طويلة يدخل رئيس حكومة لبنان دمشق بحيثية مستقلة لا تابعة. فهل يقتنع المهرولون؟
ان الاستقلال اللبناني يحافظ عليه اللبنانيون بالدفاع عن ثوابت ثورة الارز
لا بالهرولة، واكثرها يفوق ما يحلم به جارنا المتعب… فأفيقوا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل