مقاومة من اجل الدولة او مقاومة للدولة
المحامي جورج ابو صعب
رغم العديد العديد من الاسئلة التي لا تزال تطرح على قادة حزب الله والتساؤلات التي يواجه بها قياديوه، ما زلنا وحتى هذه الساعة من دون اي جواب شاف او توضيح كاف لسلسلة الهواجس التي باتت تقض مضاجع اللبنانيين ولا سيما موضوع الدولة وقرار الحرب والسلم والسلاح والمقاومة. وفي هذه السياق لا بد من تسجيل الملاحظات الاتية:
اولا: لم نعد نفهم هل المقصود بالمقاومة مقاومة الاحتلال والغزو الاسرائيلي ام مقاومة وجود الدولة ومؤسساتها وسيادتها؟ فمن فوض حزب الله مثلا، مع احترامنا الكبير لتضحيات ابنائه، بان يحتكر لوحده قرار السلم والحرب وقرار مقاومة اسرائيل؟
كل لبنان يتحول الى مقاومة في حال اي اعتداء اسرائيلي على لبنان، في اية بقعة من لبنان، سواء الجنوب او العاصمة او الشمال او البقاع او جبل لبنان. وبالتالي لا نرى الداعي للبقاء على مقاومة تتحول يوما بعد يوم الى مؤسسة قائمة رديفة لمؤسسات الدولة العسكرية والامنية لا بل متفوقة عليها عددا وعتيدا وسلاحا، ذات شخصية معنوية ستصبح مع الوقت ثابتة وطنية من ثوابت النظام الجديد الموعود، من قبل اطراف 8 اذار.
فاذا كانت المقاومة للاحتلال الجاسم حاليا في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فاننا لم نر المقاومة منذ القرار 1701 تقوم باية عمليات نوعية لتحريرها عسكريا، علما ان القرار 1701 يمنع مثل هذه العمليات.
واذا كانت المقاومة لاسترداد الغجر فان سكان هذه القرية افهموا الجميع ممن يعنيهم الامر انهم لا يريدون الانفصال عن القسم السوري ولن يسمحوا بتنفيذ اي قرار يؤدي الى تقسيم القرية الى شطرين وضم القسم الاكبر من السكان الى لبنان. لا بل في اخر التطورات ان سكان القرية طالبوا بابقاء قريتهم محكومة بالقرار 242 ، ما يعني انتفاء حاجتهم الى لبنان وبالتالي انتفاء المقاومة اللبنانية من أجلهم، لا بل اية مقاومة لان القرية تصبح جزءا من المناطق المشمولة باتفاقية فك الارتباط والهدنة بين سوريا واسرائيل.
فانطلاقا من هذه المعطيات لا نرى اين هذا الخطر الداهم الذي يتطلب تواجد المقاومة في صلب المؤسسات الرسمية والنظام، ولا الحاجة الى تشريع تلك المقاومة وكأنها باتت ثابتة ومؤسسة دستورية الى جانب مؤسسات الدولة.
ثانيا: الغريب في موضوع تمسك حزب الله بسلاحه المقاوم انه بنى كل سياسته في خلال السنوات الاربع الاخيرة على مبدأ الفقرة (ي) من مقدمة الدستور ووثيقة الوفاق الوطني المتعلق بان لا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، كما نادى في حملاته ولا يزال ومعه حليفه الرئيس بري والتيار الوطني الحر وسواهم من مكونات 8 اذار بصخب وضجيج وغوغائية عشوائية. وكان اخر تجليات هذا الصخب الغوغائي، الوثيقة السياسية لحزب الله التي اطلقها امين عام الحزب السيد حسن نصرالله مؤخرا، نظريتهم في ما يسمونه "ديمقراطية توافقية ". وقد اقاموا الدنيا وما زالوا لم يقعدوها على طروحات عدة مشروعة للاكثرية ومنها حكم الاكثرية ومعارضة الاقلية، وها هم انفسهم لا يبالون برأي قسم كبير من اللبنانيين الذين لا يوافقهم على بقاء سلاحهم وتشريعه ومأسسته من داخل النظام. الا ان اركان الحزب وحلفائه لا يجدون في ذلك مخالفة لميثاق العيش المشترك ولا خرقا للديمقراطية التوافقية التي ابتدعوها هم انفسهم.
لا بل لم يقدم الحزب وقياديوه وحلفاؤه الى الان اي تفسير او تطمين او توضيح يبرر استمرار الحزب على سلاحه واستمرار الحزب في احتكاره لقرار الحرب والسلم وضرب سلطة وهيبة المؤسسات الدستورية، لا بل ضرب الدستور نفسه الذي اعطى بوضوح النص سلطة تقرير الحرب والسلم لمجلس الوزراء دون سواه.
ثالثا: اذا اعتدت اسرائيل على لبنان باجتياح او هجوم بري او بحري او جوي او بالثلاثة معا فان اسرائيل تكون اعتدت على الدولة والشعب والمؤسسات والسيادة الوطنية. وعندها من حق لا بل يجب على كل لبناني ان يقاوم وليس على فريق دون الاخر الى جانب القوى الشرعية والجيش والسلطات الامنية كافة. وعندها لا بأس في تنظيم مقاومة شعبية تكون تحت قيادة عسكرية شرعية وبامرة الدولة واجهزتها ومراجعها. فلا نرى والحالة هذه اين المشكلة اذا كان للحزب هواجس المقاومة والمواجهة لاي عدوان.
ولكن يبدو ان الحزب لم يعد يجد مناص من البوح علنا بارتباط وجوده باكثر من اعتبار، جزء كبير منها خارجي، مرتبط بالوضع الاقليمي ولا سيما باستراتيجية المواجهة الايرانية – الغربية – الاسرائيلية. وقد جاءت الوثيقة السياسية للحزب خير دليل على هذه النظرة الاممية والدولية للمقاومة والدور المناط بالحزب في وجوده وكفاحه انطلاقا من الاراضي اللبنانية وعلى حساب ارادة ورضى قسم كبير من اللبنانيين الرافضين ان يتحول بلدهم الى ساحة صراعات خارجية تضرب ما تبقى من سيادة واستقلال واستقرار للدولة الفتية، ويطيح باتفاق الطائف والنظام الدستوري والسياسي في البلد.
فالمشكلة لدى الحزب وحلفائه هي في ان هؤلاء لا يريدون الاقتناع بان وجود المقاومة بالشكل الحاصل الان وبالسلاح الفالت لم يعد موضع اجماع وطني. ونسمع قياديين من الحزب يقرون ضمنيا او علنا بعلمهم بذلك ومع ذلك يستمرون في مواقفهم الثابتة من ديمومة وحاجة وضرورة المقاومة ومحاولات تشريع السلاح غير الشرعي ومأسسة المقاومة كشخصية معنوية قائمة من صلب النظام. فنسأل هؤلاء القياديين من الحزب: هل انهم يطبقون ويلتزمون بالعيش المشترك؟ وهل يحترمون الديمقراطية التوافقية في ظل رفض نصف الشعب اللبناني لسلاح غير شرعي ومطالبته باتسراتيجية دفاعية تضع مقدرات المقاومة بتصرف وتحت امرة وقيادة الدولة واجهزتها العسكرية؟
رابعا : واستطرادا، اي نموذج تفاهم وطني وديمقراطية توافقية يعطون اليوم للرأي العام الذين يريدون اقناعه بصوابية افكارهم وطروحاتهم، وهم ما زالوا يدعون الى تلك الديمقراطية التوافقية، وفي الان نفسه يدعون الى الغاء الطائفية السياسية واقناع الرأي العام نفسه بها وبصوابية البدء بها؟
فمن يرفض ويتجاوز ارادة نصف الشعب اللبناني في ظل الديمقراطية التوافقية المتجسدة بالحكومة الجديدة والبيان الوزاري الجديد واجواء المصالحات والتوافقات والايجابية المسيطرة على المشهد اللبناني عامة، غير ابه بالمعارضة للسلاح وبرفض الرأي العام تشريعه، لن يرف له جفن في القيام بما هو اعظم من ذلك كله اذا اقر الغاء الطائفية السياسية والسلاح مازال بيده. فهل يستوعب قياديو الحزب والاقلية هذه الحقيقة؟
فالحزب وحلفاؤه كمن يلحس المبرد، يبدون متشبثين واقوياء في مواقفهم المعلنة وجاهزين دائما لمواجهة اي سؤال او تهجم سياسي على السلاح، ولكنهم في الواقع لا يملكون اي جواب منطقي ووطني جامع للسؤال الكبير المطروح، وقد بلغ الامر بأحد نواب الحزب في جلسة مناقشة البيان الوزاري ان اراد الرد على مداخلة الشيخ سامي الجميل الناجحة والواضحة – بسؤال – بدل الرد بالحجة والمنطق نفسه على الاسئلة الواضحة الذي يواجهه الشيخ سامي به لاثبات حقيقة زيف المبررات التي تسوقها قيادات الحزب لتبرير ما لم يعد مبررا على الاطلاق في نظر شريحة واسعة من الرأي العام اللبناني.
لذلك نرى ان المعضلة – الاشكالية التي بات حزب الله ملزم بالرد عليها وتوضيحها للرأي العام وللتاريخ تختصر بالسؤال: هل المقاومة موجودة للدولة او ضد الدولة ؟ وفي الحالتين لم نعد نقبل باقل من تفسير واضح وجازم لنبني على الشيء مقتضاه.