ملاحظات على هامش الزيارات الرسمية الاخيرة للخارج
المحامي جورج ابو صعب
لاشك في ان زيارة فخامة رئيس الجمهورية الى الولايات المتحدة الاميركية الاخيرة كانت ضرورية للبنان من الناحيتين السياسية والمعنوية، اذ جاءت لتؤكد على وجود الدولة اللبنانية في الساحة الدولية وتعزز علاقات هذا البلد الدولية انطلاقا من سياسة خارجية خاصة به يمثلها رأس الهرم في الدولة مع وفد رسمي مرافق له.
ومما لاشك فيه ان دولة رئيس الحكومة الشيخ سعد الحريري قد مثل لبنان افضل تمثيل في مؤتمر "كوبنهاغن" لانقاذ الكوكب، وكانت كلمته معبرة جدا ليس فقط عن هواجس لبنان المناخية لا بل عن هواجس الدول المغلوب على امرها في هذا المجال.
لكن وبمحازاة هذا الحضور اللبناني الدولي الفاعل ترصدت لدينا بعض الملاحظات التي نرغب بتسجيلها وفق الاتي:
اولا: بالنسبة لمطالبة الرئيس سليمان نظيره الاميركي الرئيس باراك اوباما المساهمة الاميركية الفاعلة في تسليح الجيش اللبناني: ومع تأييدنا الاكيد للطلب من حيث المبدأ الا اننا نتعجب في الوقت عينه مما تقدم الرئيس سليمان به من نظيره الاميركي والموقف الاميركي الرسمي معروف من موضع تسليح الجيش اللبناني والقوى الشرعية. فالرئيس اوباما تمكن بديبلوماسية ناعمة افهام الجانب اللبناني بحقيقة الموقف الاميركي من هذا الموضوع. ونحن بدورنا نسجل ما ياتي:
1 بدل ان نسعى الى الطلب من الدول والقوى العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة بتسليح الجيش اللبناني تسليحا استراتيجيا هاما، الاجدر بنا ان نبدأ نحن اللبنانيون بتسليح جيشنا الوطني بما يملكه قسم من ابنائه من سلاح ضخم ومتطور وفتاك تستحصل عليه فئة من اللبنانيين وتأبى ان تسلمها او تعطيها لهذا الجيش وعنيت بذلك حزب الله.
فاللافت في هذا الاطار ان لبنان يستجدي المساعدة الاميركية لتسليح الجيش وتقويته في وقت ابناء الوطن لا يدعمون هذا الجيش ولا يقيمون له اي حساب، مكتفين بالحديث عن عدم قدرته على الدفاع عن الارض والشعب لتبرير بقاء السلاح غير الشرعي وبقاء الاحتكار لقرار الحرب والسلم، وبالتالي بقاء لبنان كله رهينة بيد فئة لبنانية دون الاخرين.
والغريب اكثر هو ان استجداء التسليح والدعم للجيش الوطني والقوى الشرعية يتم من قوة عظمى معروفة سياستها بهذا المجال، الا وهي سياسة التحفظ على مثل هذا التسليح الذي يطالب به لبنان كونه تسليحا قد يقع بيد حزب الله والمقاومة الاسلامية في اي وقت. بحيث ان الدولة تبدو عاجزة عن منع الجهتين المذكورتين من السيطرة على مثل هذا السلاح ان ارادت، خاصة وان موقف واشنطن تكرر اكثر من مرة في هذا الصدد وقد بات واضحا لان لا شيء فعلته الدولة اللبنانية الى الان لتثبت للرأي العام العالمي ولمراكز القرار انها قادرة على الامساك الكامل والفعلي بزمام الاوضاع على كافة الاراضي اللبنانية. وقد سبق للمسؤولين في واشنطن وسألوا الجانب اللبناني الرسمي اكثر من مرة عما سيكون مصير سلاح حزب الله ان استمر يطغى على قوة الدولة وقواها العسكرية. ولم تكن الاجوبة الا من الباب الكلاسيكي الديبلوماسي بان سلاح الحزب موضوع داخلي يحل بالحوار وعلى طاولة ذلك الحوار. من هنا كان موقف الجانب الرئاسي الاميركي الذي تبلغه الرئيس سليمان خلال لقائه المطول في البيت الابيض مع الرئيس اوباما، من انه على الجيش اللبناني ان يكون اقوى من كل الاطراف، رابطا التسليح الثقيل بموقف واشنطن من حزب الله وسلاحه غير الشرعي وتنفيذ القرار 1701 بحذافيره .
ثم من المستغرب اكثر ان تأتي المطالبة اللبنانية الرسمية بالتسليح الثقيل الى دولة كبرى حليفة لاسرائيل لا بل من القوة العظمى الاساسية الحليفة لها. واسرائيل تعيش هاجس تعاظم قوة حزب الله العسكرية والرادعة وتتوعد بتدمير لبنان بكامله ان اضطرها حزب الله الى ذلك بعد ان اصبح الحزب – بنظر اسرائيل – جزءا من الدولة اللبنانية وجزءا من قرارها.
علما ان القاصي والداني يعلم سيطرة حزب الله الفعلية الى الان على القرار الرسمي بالمواجهة مع اسرائيل ويعلم اكثر بعدم قدرة الجيش اللبناني على مواجهة حزب الله والمقاومة لعدم التكافؤ في الامكانات والتسلح والتفوق الاستراتيجي. وها هو وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل يقولها اليوم بالفم الملان بان لبنان لن يصبح سيدا طالما حزب الله يمتلك السلاح اكثر من الجيش.
وبالتالي وبدل ان نطلب من العالم تقوية جيشنا الوطني لماذا لا نبدأ نحن اللبنانيين وخاصة من معه سلاح بدعم وتسليح الجيش كي يصبح قادرا على حماية الوطن والدفاع عنه. والا فاننا نخشى بان تعتبر مطالبة لبنان الرسمي من القوى العظمى بتسليح جيشه وقواه بمثابة نكتة او ترهة، طالما من المفترض ان يكون لبنان الرسمي عالما بخفايا الامور وبما يقال ولا يقال بالعلن.
ثانيا: بالنسبة لموضوع زيارة الرئيس الحريري لسوريا قريبا: اكثر ما يعجبنا هذا التهافت غير المبرر على اثارة موضوع هذه الزيارة وكأن نهاية العالم قد تأتي ان لم يزر الرئيس الحريري سوريا في القريب العاجل. والمؤسف ان بعض التصاريح من مصادر في الاكثرية تروج من حيث تدري او لا تدري للموضوع وكأنه قدر محتوم لا عودة عنه كيفما جاء وباي شكل حصل. حتى اننا سجلنا من مراقبتنا للاحداث والتصاريح بعض البلبلة في بعض التصاريح والمواقف بين من يقول ان الزيارة ليست مقيدة بوقت محدد وبين قائل انها ستحصل وبين من يقول بانها لن تحصل طالما لم يتلق الرئيس الحريري دعوة رسمية من النظام السوري للزيارة.
والمستغرب اكثر ان البعض لا يزال يتكلم عن الزيارة وكأنها حصلت بالامس وكأن لا استنابات قضائية سورية صدرت بحق بعض المقربين للرئيس الحريري. وقد نهض القضاء السوري فجأة من غفوته ليطبق القانون والعدل بالقسطاس وبات في سوريا فجأة قضاء منفصل عن تأثير السياسيين والنظام في سوريا. فهذا البعض يذهب الى حد اعطائنا دروسا في فصل السلطات في سوريا وفي نزاهة القضاء السوري وعدم تاثره بالاعتبارات السياسية – واخرهم العماد عون في تصريحه دفاعا عن سوريا ونظامها القضائي.
فبتنا لا نعرف هل ان الزيارة الى سوريا تدخل من باب المزايدات او من باب البروتوكول او من باب الاخضاع للارادة السورية والعودة الى اسلوب بوابة دمشق وعهد وصاية مقنع، او انها زيارة كأية زيارة اخرى لدول شقيقة وصديقة لاهداف تهم مصلحة البلدين السيدين والمستقلين. فالزيارة تبدو بحد ذاتها هدفا فيما بالنسبة الينا نراها بلا طعم ولا ضرورة ان لم تسبقها بوادر حسن نية لا بوادر قطع طريق واستنابات قضائية، وكأننا نستعد للمصالحة في وقت سوريا لا تريد بعد لهذه المصالحة ان تتم.
وفي الختام نرجو ان تأتي حصيلة هذه الاتصالات الدولية والزيارات لمسؤولي لبنان مثمرة وموفقة، لان لبنان شبع ارتهانا ولان لبنان شبع من حرق نفسه في لعبة المحاور الاقليمية والدولية ولان للبنان يجب ان يكون له دولة واحدة وسلطة شرعية واحدة وجيش قوي قادر بارادة ابنائه على الدفاع عنه والزود عن استقلاله ولا ان يكون هناك سلاح غير سلاح الدولة والجيش والقوى الامنية على التراب البناني كاملا.
لقد ان الاوان لنرى الامور بوضوح ونطرح كل الامور كما هي على الطاولة بكل صدق وشفافية وكفانا اختباء وراء الاصابع لان العالم ليس ببسيط او معتوه كي نخفي عنه حقيقة عجزنا عن بناء دولة حقيقية وقوية بكل معاني الكلمات عنه. فالعالم ينظر الينا والعالم يعرف اين تكمن المشكلة. فكفى العض على الجروح واخفاء الحقائق ولنفهم كلبنانيين ان لا سلاح ولا تقوية للدولة ما لم يصار الى تنفيذ القرارات الدولية ولا سيما القرار 1701.