العالم الإسلامي وإيران وعام هجري جديد
كنتُ عالقة بين أفكار ثلاث لأختار واحدة منها، الأولى عن زيارة دولة الرئيس سعد رفيق الحريري إلى سورية؛ والثانية عن تصريح وزير خارجية المملكة العربيّة السعودية المهمّ عن فقدان لبنان لسيادته في ظلّ سلاح حزب الله؛ والثالثة عن السيدة زوجة الرجل الثاني في القاعدة أيمن الظواهري التي دخلت مجال البيانات الألكترونية مخاطبة "المؤمنات زوجات رجال القاعدة"… ووجدتني أنزاح عن هذه الثلاث باتجاه وقفة مع حال وأحوال المسلمين التي تسر العدو وتحزن كلّ مسلم صادق يجد الأمّة تتنازعها عواصف الداخل والخارج، وما يأتيها من داخلها ـ من الذين يُدْعَوْن مسلمين ـ أظلم وأخطر ممّا يأتي من الأعداء..
منذ أيام قلائل، ذكرت أمام صديقات أن اليوم الجمعة يصادف عيد رأس السنة الهجرية، فعلّقت إحداهن "يي ..أيه، أول محرّم"…كاد خلاف ينشب على هامش العيد بعدما أصبتُ بدهشة لانزياح أهمية هذا التاريخ في حياة المسلمين كأمّة، ومجتمع، وكيان، وبنيان، تأسس بدءاً من هذا التاريخ، تاريخ الهجرة النبوية، لصالح تاريخ آخر هو الأوّل من محرّم، وجدتني قد اصطدمت بثقافتين، فكّرتُ وعثرتُ على إجابتي بالطبع، لكن ليس هاهنا محلّ نشرها والبرهنة عليها، فأصابني فزع من حال الانشطار والتشظي وتمزق الأعياد الإسلامية وتغيير أسمائها، ما بين أهل السُنّة وأهل التشيّع، وكيف يشتدّ هذا التمايز ويقوى ويصبح حاداً، ومتى يتراجع ويخفت وينكفئ، فتتقدم المشهد عناوين خلابة لكنّها "كذّابة" في الحديث عن التقريب بين المذاهب…
يعيش العالم الإسلامي أياماً مريرة من الفتن العاصفة، تتنقّل من لبنان إلى العراق إلى اليمن وتحاول أن تزجّ بقرنها على حدود المملكة العربية السعودية.. وتاريخ الإسلام واحد من وصاياه التحذير من فتن كقطع الليل المظلم، بدأت بعد انقضاء اثنا عشر عاماً على انتقال نبيّ هذه الأمّة صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى، وما زالت هذه الفتنة تتلاحق ولا يبدو أنها ستنحسر، ويبدو أننا قد قُدّر لنا أن نعايش واحداً من أزمنتها، منذ أعلنت إيران تصدير "الثورة ـ المذهب" إلى العالم الإسلامي ونجحت في مدّ أذرعها في كلّ العالم الإسلامي، وبصبر وأناة وعلى مدى ثلاثة عقود…
ونظرة على التاريخ الإسلامي تجعلنا ندرك أنّ تسلسل الأحداث مستمر منذ حوالي ما يقارب 12 قرناً ويزيد، ومن أمثلة هذا التاريخ المر حركة القرامطة بإحدى الأدوار الاستباقية للشيعة في "تثوير" الوضع الداخلي داخل نظام الخلافة العباسي؛ فقد "أخذت القرامطة تناوئ الدولة العباسية وتحاول الفتك بها، وخاضت ضدها حروبًا كثيرة، تارة سعت بالخيانة، وتارة أخرى أحاطوا بالخلفاء العباسيين الذين كانوا قد بلغوا من الضعف مبلغًا، حتى لم تكن لهم سلطة فعلية، وتجرأت القرامطة على أشرف البقاع، الحرم المكي، وسرقوا الحجر الأسود من الكعبة، وأخذوه إلى الكوفة عاصمتهم" وللمفارقة واحدة من الأمور التي سيقوم بها "المهدي الإيراني" أنه سينتزع الحجر الأسود من الكعبة المشرفة وينقله إلى عاصمته الكوفة، والكتب محشوّة بهذه الأخبار لمن يريد الاستزادة..
وننقل هنا بعض مما كتبه أحد كتّاب الشيعة (سعد الشمري) علّه يكون سبيلاً إلى فهم واقعنا المأزوم مذهبياً اليوم ولماذا هذه الاستمرارية في تكرار التاريخ لنفسه وازياده عنفاً على يد المشروع الإيراني للمنطقة: "من المعروف إن معظم الثورات الشيعية بعد واقعة كربلاء عام 61 للهجرة، وصلت الى نهايات مأسوية – دامية (…) لكن تلك النهايات الدامية والمدوية في وقت واحد، هي التي أبقت جذوة الثورة متّقدة (…) وحتى نعرف هذه الحقيقة وندرك مغزاها، لابد من تسليط الضوء على ثورة التوابين التي فتحت الطريق أمام الثورات الجماهيرية (…) ولمن يريد أن يطلع على فلسفة الثورة لدى الشيعة عبر التاريخ، لابد له من مطالعة لصفحات تاريخية من ثورة التوابين.
ويتابع الشمري: "بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) بأربع سنوات، أي في عام 65 للهجرة، شقّ جدار الصمت الصحابي الجليل سليمان بن صرد الخزاعي الذي ناهز الثالثة والتسعين من العمر، وعكف يعد العدّة لانتفاضة عارمة ضد الحكم الأموي الجائر (…) وأول ما قام به هو تعبئة الأصحاب في ظل إجراءات أمنية مشددة، لتحقيق هدفين أساسين، الأول: التوبة النصوح إلى الله تعالى والاعتذار إلى أهل بيت رسول الله، لعدم نصرتهم ابن بنت رسول الله يوم العاشر من المحرم، والهدف الثاني: الثأر من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام).
وكان سليمان أول مَن رفع الشعار المعروف والمدوي: "يا لثارات الحسين" – وهو شعار مستمر حتى اليوم – وحسب المصادر التاريخية (…) اجتمع حوله بين أربعة وخمسة آلاف مقاتل في ربيع الثاني سنة 65 للهجرة، ثم توجهوا صوب مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، وأقاموا هناك يوماً وليلة يبكون ويتضرعون إلى الله ويستذكرون مصاب الإمام ويندبون حظهم في التخلف عن نصرته، وجاء في "التاريخ الإسلامي" لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي: "لما وصل التوابون إلى مرقد الحسين صاحوا صيحة واحدة – فما رُئي أكثر باكياً من ذلك اليوم – ومما خاطبوا الإمام الحسين وأصحابه: "اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء محبيهم، اللهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لنا ما مضى منّا وتُب علينا".
إنه تاريخ مستمر متواصل سيظل يجد عناوين تفتح أبواب الفتن وتشرّعها لتعصف بالمسلمين جميعاً، وما هو أفظع من الفتنة المذهبية – القديمة قدم الانشقاق بين المسلمين – فتنة "القاعدة، والإرهاب، وقتل النفس التي حرّم الله قتلها إلا بالحقّ، مبكٍ حال المسلمين اليوم، والفتاوى أكبر أبواب الفتنة، فالقاعدة وليدة الفتاوى المتشددة والتعسف والتشدّد في أمور الدين، قد تكون واحدة من أكبر مصائب المسلمين في هذا الزمن، أن كلّ فريق منهم يفسّر الإسلام برأيه، ويصبح رأيه هو الإسلام، حتى بتنا أمام إسلامات، حجبت عنا وجه الإسلام الحقيقيّ، إسلام النبيّ (صلوات الله عليه).
عام جديد يبدأ اليوم (1431 عاماً) مرّت على الهجرة النبويّة الشريفة من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة، جعله الله عاماً مباركاً على المسلمين عموماً، وعلى الشعب اللبناني خصوصاً بعام أمن وأمان واستقرار وازدهار…