وداعاً بيبلوس.. وداعاً أرز لبنان.. وداعاً سهل البقاع
هكذا وببساطة ومن دون رثاء ونواح وندب بنداء فيه دمع حزين كالجمر والدم والنار قال: "إن جبيل ستزول والأرز أيضاً والبقاع".
النداء الذي أطلقه الرئيس سعد الحريري في مؤتمر كوبنهاغن هو نداء هام جداً بالنسبة لنا، لبعده الثقافي الحضاري وليس فقط لبعده الاقتصادي والبيئي والصناعي و"الطاعوني" أو "ألانفلونزي" أو "السيداوي"، بل لأنه وبهدوء قال ان مدينة الحرف والحضارة، أم المدائن بيبلوس ستزول. وإن رمز لبنان وفخره وعزه، أرزه سيزول وينمحى وأن خير لبنان في بقاعه وأهرائه سيموت ويضمحل. نعم هكذا سيتم بعد قليل كل هذا.
أنا حظي أن أسكن على ميناء جبيل. أغسل كل يوم عيني ووجهي بمياه البحر وأرى الأشرعة المسافرة الحاملة الخير والأناشيد والصلوات للإله إيل وأدون وعشتار. أحقاً وداعاً بيبلوس؟ وهنا لن يبقى أثر لأحيرام وأشمون وإيل ولا لأكويلينا الحلوة الشهيدة إبنة الـ12 سنة ولا للشوارع القديمة كوجه البحارة العتاق؟ العالم كله يهمني وأهل العالم هم أهلي لكن هذه مدينتي وقد حفرت قلعتها وأسوارها وكنيستها ماريوحنا وسيدة البوابة والسيدة الفقيرة والقديسة تقلا والشهيدة أكويلينا وأشرعة الميناء القديم صورها في قلبي وعيني. ولم تعد بخوراً يُحرق بل صارت جمراً يكوي. شوارعها قسم من جلدي ولحمي وعظمي. هذه المدينة ليست جلداً للنسيان تخلعه عندما تبتعد عنها. الحية وحدها تترك جلدها للنسيان أما أنا فماضي ملتصق بلحمي وعظمي ودمي. إن شاء الزمن أن يأخذه مني فهو سيخزّق جسدي ويكسر عظمي ويريق دمي للحصول عليه. آه جبيل! أحقاً هكذا وبكل بساطة ستهاجريننا لترحلي للنسيان وتقيمي تحت المياه؟ بعيدة عن هذا الكون الملوّث القاتل للحياة؟
آه أرز لبنان! أنت الذي أقامت فيك النسور أعشاش فراخها وسكنت الريح أغصانك ونام الثلج على وشاحك الأخضر، أنت الذي أخذ الخلود له صفة من خلودك، أحقاً أنك ستموت وتنكسر وتذوي و"تفوْخر" وتتخلّع؟ بمَ سواك ستتباهى الغابات بعظمة جلالها وكسرها للرياح العاتية؟ والسخرية بتراكم الثلوج على الأغصان مهما كثرت وتعالت؟ أحقاً أن هذه الحكاية ستقع وهذه الميثة (mithye) ستفسد؟ آه أيها الأرز عليك ستفتخر شجرة توت تهر أوراقها وينكشف عريها عن إعوجاج أصلها وقبحه؟
بماذا سيفتخر الوطن الصغير بغير أرزه؟ كانت كقلادة اللؤلؤ المقدس في عنقه وكتاج النار فوق رأسه: لن يستطيع الوطن الصغير على الكلام عن الجمال والبهاء والبقاء بعد الآن! هكذا وببساطة أرز الرب سيموت من التلوث والاحتباس الحراري لأن الأم الأرض ستموت! ما نفع دموعي الآن؟ ليتني أقدر أن أطعن عيني كما طعن أوديب Oedipe الإغريقي عينيه وأتوه في العالم والليل الأسود يسكن عيني.
وأنت يا بقاع لن تطعم بعد جياع الدنيا ستصبح صحراء يضربك القحط ويسكنك العقم. ستتحول أهراء للموات بعد أن كنت أهراء للحياة. بدل القمح سينبت الشوك والجربان وبدل شجر الدوالي ستعلو أشجار الصبّير والقندول سنقتلع الأشواك لنقتات بشلوشها. سنموت من الجوع ويلتصق جلدنا بعظمنا وعلى وجهنا غبار الصحراء المحمول بالريح الحارة السامة. وداعاً بقاع. لم تعد أرض الخير بل ستصير أرض الأموات!
هكذا وببساطة صرخ بوجه العالم رئيس الوزراء الشيخ سعد الحريري، هذه هي مرثاتنا، هذا هو "محلّنا" وجنازتنا. فهل نصنع نحن شيئاً لنوقف هذا الموت الزاحف إلينا؟ هل قمنا من توابيتنا قبل أن يرفعوها على الأكتاف ويرموها على مزابل التلوث في وطننا؟
نعم نقدر أن نغيّر. نعم نقدر أن نوقف زحف خطايانا ضد طبيعتنا وبيئتنا التي أصبحت مقبرة لنا. نحن بنينا قبورنا بأيدينا وشربنا دمنا بكؤوسنا وسكرنا من لهونا وعدم جديتنا بالتعاطي مع الأرض والتراب والماء والهواء وجلسنا "نوأركل" على مفارق وطننا ننتظر أن يمر الموت علينا ويحرقنا مع الأوساخ والمياه التي لم نحافظ عليها ولم نحافظ على مجاريها ولا على مخزونها. رقصنا على قبورنا وحان وقت نزولها الى جحيم الموت والخراب.
كان بعض المنورين عندنا ينادون ويصرخون في برية لهونا (موريس الجميّل، ابراهيم عبدالعال، الأب اسطفان صقر، الأب يوسف مونّس، قيصر نصر، معهد البيئة في الكسليك) فسخرنا منها ولم نسمع وجعلنا ضجيجنا يرتفع كي لا نسمع قرقعة عظامنا وهي تتكسّر وقد حان وقت نزولنا الى الجحيم!
وداعاً أيها الجيل اللاهي التاجر! أترك المكان لسواك وهو أكثر جدية منك وقد أخذ يلتزم وطنه وأهله، قبل فوات الأوان. لذلك ذهب الى أطراف الأرض ليصرخ وجعه من جرحه في كوبنهاغن.
() أمين سر اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام
ورئيس دائرة الإعلام في مجلس كنائس الشرق الأوسط