لهذه الأسباب يُريد معارضو القوّات ضربها
ثائر غندور
«لم يُصدّق أحد أن سمير جعجع القديم قد مات، رغم أن الرجل ذاته أعلن الأمر بعد خروجه من السجن. حتى إنه لم يُصلّ أحد على جنازة سمير جعجع القديم». بهاتين العبارتين يشرح أحد السياسيين المخضرمين مشكلة الكثير من القوى السياسيّة اللبنانيّة مع القوّات اللبنانيّة.
فمعظم اللبنانيين لا يُمكنهم أن يفصلوا القوات اللبنانيّة عن قائدها سمير جعجع أو العكس. وارتبط اسم هذا التنظيم بمؤسّسه بشير الجميّل، وقائده الأخير جعجع، وتناسى الجميع مَن مرّ على قيادة هذه القوات، مثل فادي أفرام، فؤاد أبو ناضر، وإيلي حبيقة.
فالأخير، كان على علاقة جيّدة بسوريا وحلفائها منذ منتصف الثمانينيات حتى اغتياله في 24 كانون الثاني 2002. وهو الذي كان ينوي الإدلاء بإفادته أمام المحكمة البلجيكية التي تنظر في اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بالضلوع في مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982.
رغم ذلك، لا يُمكن فصل صورة القوّات اللبنانيّة عن سمير جعجع، ولا نسيان علاقتها بإسرائيل. وحتى اليوم، عندما يُشاهد مواطنون دوريّات للجيش اللبناني ويُشاهدون فيها آليّات للجيش الإسرائيلي يقولون إن هذه الآليّات من مصادرات الجيش من القوّات اللبنانيّة.
من هنا، يقول الكثير من القوى السياسيّة بإمكان عزل القوّات. أي إن الصورة النمطيّة للقوّات قابلة لأن تُسبب لها نبذاً.
هذا في العام. أمّا في الخاص، فإن مطّلعين يقرأون الأمر على الشكل الآتي:
ـــــ القوّات تُمثّل خطراً على الكيان اللبناني. وهي لم تتعلّم بعد من دروس الماضي، وتُريد أن تُكرّر تجربتها الماضية، وإن بأوجه مختلفة.
ـــــ يتحدّث ضبّاط حاليّون وسابقون في الجيش اللبناني ممّن اطّلعوا على التحقيقات مع سمير جعجع وفريقه عام 1994، وممّن اطلعوا على أرشيف القوّات اللبنانيّة في الكرنتينا، أن هذا التنظيم هو الوحيد من بين الميليشيات الذي كان يملك بنيةً تنظيميّة وأمنيّة قادرة على الحياة في ظلّ ظروف معادية. وهي بنية تشبه إلى حدّ كبير البنية الأمنيّة الإسرائيليّة.
ـــــ يؤكّد المطّلعون على التحقيقات أن القوّات اللبنانيّة امتازت منذ تأسيسها على يد بشير الجميّل، بالاعتماد على الكفاءات لا على العلاقات الشخصيّة في جميع المواقع، وذلك تأثراً بالعقليّة الإسرائيليّة التي أسهمت ببنائها فعلياً.
ـــــ لم تخرج القوات حتى اليوم من عقليّتها الأمنيّة رغم إنكارها المتكرّر لهذا الأمر. ويأخذ أصحاب هذا الرأي من طريقة تنظيم القوّات لمهرجاناتها مثالاً على القدرة الكبيرة وعلى الكوادر المدرّبة التي لا تزال القوّات تمتلكها.
ـــــ تركيز القوّات في عملها على طلاب المدارس والجامعات، أي الفئة العمريّة الممتدة من الخامسة عشرة إلى الخامسة والعشرين، وهي الفئة التي تتأثّر كثيراً بالفكر الذي تُعبّأ به.
ـــــ امتلاك القوّات لآليّات تثقيفيّة وتعليميّة متقدّمة.
ـــــ تراجع ميزانيّة أغلب مكوّنات فريق 14 آذار، ما عدا القوّات اللبنانيّة، وخصوصاً التمويل السعودي، وهو ما يسمح للقوات بأن تدفع أقساط الكثير من الطلبة في الجامعات الخاصّة، وهو ما مكّنها من الفوز في العديد من الجامعات الخاصّة. ورغم النفي الدائم لمسؤولي القوّات اللبنانيّة هذا الكلام، وشكواهم من قلّة التمويل، إلّا أن أصحاب وجهة النظر هذه يُعطون زحلة مثالاً، إذ تُدفَع مبالغ طائلة لطلبة المدارس والجامعات. حتى إن حلفاء القوّات اللبنانيّة يقرّون بهذا الأمر، إذ يُقارن عدد من مسؤولي حزب الكتائب في الجامعات الخاصّة بين ما يدفعه طلّاب القوات على نشاطاتهم، وما يتوافّر لهم، فيجدون أن الفارق كبيراً.
انطلاقاً من هذه الوقائع التي يسردها هؤلاء الساسة، ومن قراءتهم أحاديث رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوات اللبنانيّة سمير جعجع التي يرون من خلالها أنه لم يتخلّ عن الرهان على عمل عسكري إسرائيلي على المقاومة أو غربي على إيران، يقول هؤلاء إنّ من الواجب القيام بشيء ما في وجه القوّات.
لذلك، يؤكّد المطّلعون أن الخطوة الأولى هي فتح العين الأمنيّة بالكامل على القوّات لمنعها من القيام بأي عمل أمني، والتحسب لما يُمكن أن تقوم به في حال حصول اعتداء إسرائيلي على لبنان.
أمّا الخطوة التالية، فهي عزل القوّات اللبنانيّة. وهنا يدور نقاش آخر. إذ يقول عدد من السياسيين أن عزلها سيؤدي إلى تقويتها في الشارع المسيحي، إذ إن كل «مضطهَد مرغوب». فيما ينظر آخرون إلى الأمر من زاوية تاريخيّة، أي إن محاولات عزل حزب الكتائب في سبعينيات القرن الماضي لم تؤدّ إلى نتيجة إيجابيّة، بل حوّلت حزب الكتائب إلى حامي حمى المسيحيين.
فيما يقول سياسيّون آخرون إن العزل بدون أي خطوة سياسيّة تجاه حزب الكتائب اللبنانيّة وباقي الشخصيّات المسيحيّة في 14 آذار، سيجعل الكتائب وبقيّة الشخصيّات ترى أن مصيرها سيكون مشابهاً لمصير القوّات اللبنانيّة، وبالتالي ستتضامن مع القوّات، ما سيُفشل هذا السيناريو.
لهذا، يطرح سياسيّون آخرون خطوة أخرى هي ضرب القوّات لا عزلها. ولعمليّة مثل هذه طرقها وأساليبها، ويجب التعاطي معها بهدوء بحسب هذه المصادر. والقيام بها سلمياً يحتاج إلى خطوات ومبادرات سياسيّة جريئة. وتعتقد المصادر أن القوى المطلوب منها القيام بهذه الخطوات قادرة على ذلك، لكنها تحتاج إلى تنسيق كبير. ولهذا الأمر بحث آخر.