زيارة الحريري: نهاية مرحلة !
سيشكل تاريخ 19 كانون الاول 2009 علامة فارقة في تاريخ العلاقات اللبنانية – السورية، فهو تاريخ زيارة سعد رفيق الحريري لدمشق التي يرأس حكمها بشار حافظ الاسد الذي تحوم حوله و حكمه شبهات كبيرة في التورط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2009. انه تاريخ يمثل مصافحة اولى بين رجلين، الاول يمثل الزعامة السنية الاولى في لبنان، والثاني يمثل امتدادا لحكم الرئيس الراحل حافظ الاسد الذي حلم بضم لبنان، ثم دخله وسيطر عليه سيطرة تامة طوال 15 سنة و كاد ان يذوب بلاد الارز في اطار كونفيديرالية شكلية بين البلدين يؤدي فيها الطاقم السياسي اللبناني المحلي دور الكومبارس، في مقابل الدور القيادي الآمر الناهي الذي تؤديه القيادة السورية.
اغتيل الرئيس رفيق الحريري، و كان الحكم السوري ولا يزال المشتبه الرئيسي، رغم التهدئة السياسية على جبهة الاغتيالات التي تعود اسبابها الى تحولات داخلية فرضتها غزوات ايار 2008، وخارجية فرضتها متغيرات في العلاقات العربية – العربية والدولية – السورية. ومع ان التيار الاستقلالي الذي اخرج السوريين من لبنان في نيسان 2005 حقق انتصارا انتخابيا كبيرا في حزيران 2009، فإن الواقع الداخلي المرهون بمعادلة القوة والسلاح، والواقع الخارجي المحكوم بمشروع اقامة جبهة عربية لصد الاختراق الايراني في المنطقة، اديا الى تفريغ الانتصار من محتواه و تكوين "حل عربي" اعاد التجديد لمعادلة اتفاق الدوحة.
كان الرئيس سعد الحريري يدرك تماما انه بترشيح نفسه لرئاسة الحكومة سيكون محكوما بواقع يتجاوز قدرته على انتظار حكم المحكمة الدولية في ما يتعلق بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فمسؤوليات رئيس حكومة لبنان في هذه المرحلة تتطلب منه تقديم تنازلات مؤلمة. ومصافحة الرئيس بشار الاسد مؤلمة حقا، وهي في مطلق الاحوال نقطة "ذهبية" يسجلها الاسد الابن في مرمى التيار الاستقلالي، فيما يترقب الجميع ما ستؤول اليه المحكمة الدولية في لاهاي.
حسناً فعل الحريري بذهابه منفردا الى دمشق. وحسناً فعل بقلبه البروتوكول السوري الذي كان يفترض لقاء مع مسؤول ادنى رتبة من الاسد (ربما رئيس الحكومة ناجي العطري). وكان السعوديون اطلقوا اشارات واضحة في اتجاه الحكم السوري في ما يخص طريقة التعامل مع الحريري. فسعد الحريري يدخل دمشق و هو الزعيم السني الاقوى، وزعيم التيار الاستقلالي الذي يضم مسلمين ومسيحيين، ولا يدين لمضيفيه بأي شيء بل انه كان حتى الاشهر القليلة الماضية يقارعهم ويتعبهم في أكثر من موقع، مواجها لعبة الدم بالقوة الشعبية والسياسية التي اكتسبها بالممارسة اليومية، وذلك في زمن قياسي.
إذاً، فإن الاسد يستقبل رئيسا للحكومة من حجم استثنائي يجعل كسر البروتوكول شأنا طبيعيا، ويلغي تلك الفكرة التي يجري تسويقها أن الملفات الكبرى يبحثها رئيسا الجمهورية، وتناط الامور التنفيذية برئيسي الحكومة و الوزراء. فلبنان ليس سوريا و لن يكون. ورئيس حكومة لبنان ليس عضوا في فريق رئيس الجمهورية، والدستور يمنع ذلك. من هنا لا أجازف بالقول ان الحريري حين نظر في عيني الاسد انما كان يشعر بالكثير من الندية، وهو العارف ان الوصاية الاحتلالية السابقة انتهت ولن تعود، لاعتبارات لبنانية اولا، وعربية ودولية ثانيا.
ان زيارة الحريري السورية محطة يؤمل منها ان تضع العلاقات اللبنانية – السورية على سكة التصحيح الطويلة. و ما من احد يتوقع تغييرا حقيقيا في الذهنية السورية، ولا تلاشيا لـ"عقدة لبنان". ولكن لبنان تغير كثيرا، والصورة تغيرت أكثر رغم مشاهد الانبطاحية السخيفة التي نلمسها عند بعض الساسة اللبنانيين، وهي انبطاحية مذلة لا مبرر لها اطلاقا، وخصوصا ان الرأي العام اللبناني الاستقلالي الاكثري الذي اوصل الكثيرين الى البرلمان، لم يضعف تمسكه المطلق بالمشروع الاستقلالي الذي بني بالدم و الدموع والعذابات. فقليلا من الحياء.
ونختم بأننا نشعر تماما بثقل ما تمثله مصافحة سعد الحريري لبشار الاسد. ونقول: أملنا نحن الاستقلاليين ان يكون الثمن الغالي الذي ندفعه اليوم موازيا الحصاد المأمول. وفي مطلق الاحوال فإن زيارة الحريري تنهي مرحلة و تطلق مرحلة جديدة.