التحفظات عن الشكليات مغالاة أم جزء من واقع جديد؟
زيارة الحريري لدمشق تستعيد الالتباس في نوعية العلاقة
اكتنفت زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق، الاولى له منذ اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، ملابسات شكلية كثيرة لم ترح اللبنانيين او غالبيتهم على رغم التبريرات الاقليمية المتصلة بترتيبات الزيارة التي لم تجر وفق معايير يرغب فيها اللبنانيون بعد ما شهدته الاعوام الخمسة الماضية من مآس من جهة، وبعد انجازات كثيرة ايضا تحققت على صعيد امتلاك لبنان حرية قراره. وقد ظلت هذه الترتيبات عناوين اقليمية مبررة في المبدأ لا سيما أن الزيارة كانت جزءا من توافق سوري – سعودي مطلع الصيف المنصرم على قاعدة ان سوريا قد تغيرت وان من الضروري مساعدتها في استكمال التغيير واعادتها الى الاطار العربي كهدف استراتيجي لا بد منه. إلا ان التفاصيل ظلت مهمة بالنسبة الى اللبنانيين المعنيين لأن لها أبعادها في العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا بصرف النظر عن "الصورة الكبيرة". اذ ان لدى اللبنانيين هواجس من سوريا لا تزال قائمة، خصوصا ان أداءها حتى الامس القريب لم يظهر تغيرا لا في أهدافها ولا في أسلوبها، على ما بات يعرفه اللبنانيون عن ظهر قلب. ثم لأن التاريخ بين البلدين صعب ايضا ولم تفارق سوريا كدولة نظرتها الى لبنان حتى بعد الضغوط الدولية في الاعوام الماضية واقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين لم تحتل مكانها على نحو صحيح خصوصا من جهة دمشق، ثم هناك المخاوف من توظيف حاجة سوريا الى زيارة الرئيس الحريري منها ومن حلفائها اللبنانيين مرحليا على النحو الذي تم به توظيف الحاجة الملحة لوالده عام 1992، فتتكرر تلك الاجواء عبر الحميمية الشخصية التي رغبت في اضفائها على الزيارة بحيث لا تتسم بطابع رسمي يرافقه فيها وفد وزاري وفق ما تستلزم اعادة الامور بين البلدين الى سكتها الصحيحة. أي أنها العودة الى الطريقة القديمة لانهاء ما تحقق بعد عام 2005 وانهاء التغيير الكبير على قاعدة الانطلاق من علاقة شخصية ثنائية شهدت الاشهر السابقة نموذجا لها عبر استقبالات لافرقاء لبنانيين كان بح صوتهم في المطالبة بمأسسة العلاقات بين البلدين واقامة تمثيل ديبلوماسي بينهما فباتوا يتغاضون عنها، وهي اعادة لفرش السجاد الأحمر كما بعد 1991 وضرب مفاعيل "ثورة الارز" مما يؤدي عمليا الى اضعاف الحريري في سيناريو مستعاد لاعادة انتاج العلاقات على مستوى الاشخاص وليس عبر المؤسسات، ودعمهم احيانا او السعي الى تقويض سلطتهم احيانا اخرى عبر حلفائها.
لذلك كان التحفظ قويا عما أحاط الزيارة ليومين، ولم يكن الارتياح من مؤشراتها او دلالاتها قبيل حصولها وفي اثنائها، ليس اعتراضا على الزيارة في ذاتها وعلى اعادة ترتيب العلاقات بين البلدين، خصوصا ان احدا لا يمكنه كذلك المزايدة على مشاعر الرئيس الحريري وما يتجاوزه هو شخصيا في هذا الاطار من اجل ان يزور سوريا، لكن كان ثمة تفضيل قوي لحصول الزيارة في هذه الظروف المعروفة وفق قرار يتخذ في مجلس الوزراء لاضفاء نوع من الرسميات على العلاقة لم يعد يجوز التخلي عنها ولوضعها في اطار رسمي، بل لان عدم وجود رسميات يعيد اطاحة الحدود التي يجب احترامها في العلاقة. أضف الى ذلك ان التغيير الكبير الذي حصل في الاعوام الماضية يجب ألا يوضع جانبا بذريعة الظروف الاستثنائية، بل ينبغي تعزيزه عبر وفد وزاري كبير يرى كثيرون انه كان يجب ان يرافق الحريري في زيارته.
ويرى كثر ايضا وجوب ان تحصل المصالحة بين الطرفين اللبناني والسوري في بلد ثالث وليس في بلد هو الطرف الآخر من الخلاف الكبير، لان في المظاهر ايضا رسالة الى الداخل والخارج قد تفهم على غير محملها، كما قد توظف لغايات وأهداف في غير محلها على ما يتوقع كثر ان يظهر في المستقبل القريب. وهذا الامر كان يمكن تجاوزه ايضا للصالح العام لو ان رسولا خاصا حمل دعوة خاصة الى الرئيس الحريري لزيارة دمشق او لو قام رئيس الحكومة بزيارة دمشق في اطار جولة تكون العاصمة السورية احدى محطاتها. وهذه الشكليات مهمة جدا لان الزيارة في ذاتها رمزية، ولان الرئاسة السورية حرصت على اعطاء انطباع أن الشكليات جوهر اساسي من العلاقة الجديدة المفترضة بين البلدين. في حين ان لهذه الشكليات اثرها في اعطاء الانطباع بالتعامل الندي او بالتنازل او الرجوع عن الخطأ ورمي هذين الانطباعين الاخيرين في خانة لبنان.
ولا يبدو ان رئيس الحكومة لم يطلع او لم يكن على معرفة بهذه الاجواء، نظرا الى وجود رأي عام قوي من حوله قلق وغير مرتاح وإن يكن متفهما وحاضنا، كما لا يبدو ان الحريري ليس مدركا للصورة الكبيرة، والى اين يمكن ان تدفع الامور نتيجة لذلك عبر محاولات اعادة تكوين القوة من جانب دمشق في الشكل والمضمون على السواء. فوسط إسراع سياسيين كثر وفي مقدمهم حلفاء سوريا الى الترحيب بالزيارة على قاعدة ان البلد سيشهد في المدى القريب، استكمالا لذلك، استقرارا سياسيا، يمكن ان يفهم استنتاجا ان سيف عدم الاستقرار الداخلي كان سيظل مسلطا فوق رأس لبنان وفي وجه الحكومة الجديدة من سوريا من دون تسوية العلاقات بين البلدين على النحو الذي يريحهما، بحيث ان المعادلة هي المصالحة في مقابل الاستقرار.
وفي انتظار ان تتبلور نتائج الزيارة على ما هو متوقع في المدى القريب، فان عامل عدم الثقة يبقى مفقودا بالنسبة الى غالبية اللبنانيين في العلاقات مع سوريا في الصورة التفصيلية الصغيرة للامور، ولم ينجح الود المستحدث حتى بين زعماء سياسيين كانوا على خلاف معها في ارساء جزء قليل من هذه الثقة، وذلك ما لم تبدأ في تنفيذ خطوات تؤكد تغيير اقتناعاتها بتعامل مختلف مع لبنان.