لأن الخلافات الشخصية والسياسية قد تحول دون إكمال المصالحات
هل يتوحّد المسيحيون حول تحييد لبنان عن صراعات المحاور ؟
هل تتوصّل الرابطة المارونية الى وضع ورقة عمل تطرح للبحث على القيادات المسيحية وتحديدا المارونية؟ وهل ينبغي ان تتضمن هذه الورقة المواضيع التي لا خلاف عليها في العمق، ام المواضيع المثيرة للخلاف لانها من اسباب التباعد والانقسام وتجعل الخلافات حتى الشخصية تزول اذا ما صار اتفاق عليها والا بقيت هذه الخلافات ما بقيت اسبابها؟
الواقع ان تحقيق المصالحات المسيحية – المسيحية ولاسيما منها المارونية – المارونية ليس سهلا خصوصا بين من هم على خلاف شخصي وخلاف سياسي كما بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، وقد حاول البطريرك الكاردينال صفير مصالحة الزعماء الموارنة اكثر من مرة، وجمْعهم حول قواسم وطنية مشتركة فلم يفلح، لان الخلافات الشخصية على ما يبدو هي الاقوى والاشد، مما جعل سيد بكركي يقول: "ان المسيحيين تفرقوا مذاهب وشيعا وجماعات لا رابط بينها وهي متحاسدة متنافرة، ويصعب توحيدهم على مشروع سياسي واحد". وقال إيضا في إحدى عظاته: "كلما انقسم الموارنة على ذاتهم واختلفوا في ما بينهم دارت عليهم الدوائر وتغلب عليهم الطامعون بهم والتاريخ شاهد، وكلما جمعوا صفوفهم ووثّقوا عرى التعاون في ما بينهم صلحت احوالهم وازدهرت واكتسبوا احترام مواطنيهم على اختلاف مذاهبهم".
هذا الوضع كان موضوع بحث بين الرئيس امين الجميل ووفد الرابطة المارونية في لقائهما الاخير، وقد شدد الرئيس الاسبق على ضرورة توحيد الصف المسيحي والماروني تحديدا ولو في حده الادنى على مواضيع وطنية، لان المسألة باتت مسألة وجود المسيحيين في لبنان، فاذا لم يتكاتفوا ويتوحدوا، فان وجودهم يصبح في خطر ولا يعود لهم دور، اذ ما من احد يستطيع ان يأخذ دور المسيحيين اذا توحدوا ولا ان يعطيهم دورا اذا انقسموا خصوصا مع قيام وحدة او ثنائيات داخل الطوائف الاخرى تجعلهم اقوياء وقادرين على ان يكون لهم دورهم الفاعل والمؤثر في الحياة السياسية وفي المعادلة الداخلية.
والسؤال المطروح في الاوساط المسيحية هو: لماذا تحققت مصالحات بين عون وفرنجيه وجنبلاط ولم تتحقق مع الآخرين مثل الدكتور سمير جعجع؟ هل لان هؤلاء التقوا على خط سياسي واحد ورؤية مشتركة للمواضيع المهمة مما ساعد على جمعهم وازالة الخلافات الشخصية في ما بينهم، لان الخلافات الشخصية تدوم ما دام الخلاف قائما على الخط السياسي؟ فبين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع خلاف في العمق على المواضيع الاساسية التي تعني لبنان واللبنانيين. فالعماد عون بات يرى ان العلاقات مع سوريا بنبغي ان تعود الى ما كانت عليه لمجرد انسحاب قواتها من لبنان. فيما يرى الدكتور جعجع ان هذه العلاقات، كي تعود الى ما كانت عليه ينبغي ان تكون من دولة الى دولة وان تثبت سوريا بالافعال وليس بالاقوال انها تحترم سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحر ولا تتدخل في شؤونه الداخلية سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة، كما تفعل حتى الآن، وانها مستعدة لاستجابة مطالب اللبنانيين والمساعدة على تنفيذ القرارات التي اجمعوا عليها في مؤتمر الحوار عام 2006. ويرى العماد عون ان سلاح المقاومة ضروري للدفاع عن لبنان ضد اي عدوان، والى ان يتم تحرير بقية الاراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل، بل ذهب اخيرا الى حد القول بوجوب بقاء هذا السلاح الى ان يعود اللاجئون الفلسطينيون في لبنان الى ديارهم في فلسطين… وليس بمجرد تحرير الاراضي اللبنانية، كما كان يطالب من قبل، فيما يرى جعجع ان هذا السلاح ينبغي ان يوضع في كنف الدولة وتكون إمرة استخدامه للسلطة اللبنانية من دون سواها، وان تكون قوات الدولة المسلحة هي المسؤولة عن حفظ الامن في الداخل وردّ اي اعتداء يأتي من الخارج، وهي التي في يدها وحدها قرار السلم والحرب. اما قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان فهي قضية اتخذ لبنان موقفا منها بالاجماع ونص عليه الدستور وهو رفض توطينهم. ويبقى أن مسألة تأمين عودتهم ليست بقرار لبناني فقط بل بقرار عربي ودولي يقضي بعدم توقيع سلام مع اسرائيل الا بعد تأمين هذه العودة، فاذا ربطت عودتهم ببقاء سلاح المقاومة فمعناه ان يبقى الى اجل غير مسمى، او كأن هذه العودة تؤمَّن بقوة السلاح وهذا يبرر مطالبة التنظيمات الفلسطينية في لبنان بالابقاء على سلاحها ايضا داخل المخيمات وخارجها.
لذلك ينبغي البحث عما يجمع المسيحيين لا عما يفرقهم، وما يجمعهم في رأي بعض قادتهم هو كيف يمكن تحصين لبنان ليبقى سيدا حرا مستقلا وتقوم فيه دولة قوية لا دولة سواها، وألا يبقى ساحة لصراعات المحاور التي قد تهدد وجوده. فالمسيحيون بعدما فقدوا قوة العدد لم يعد يحميهم سوى قوة الدولة، فلا وطن لهم سوى لبنان، فاذا ذهب تفرقوا ايدي سبأ. ولكي يضمنوا بقاء لبنان سيدا حرا مستقلا، فليس مطلوبا منهم ان يتنافسوا على المناصب والوظائف ولا على موقع بل على دور بات سلاحهم الوحيد. هذا الدور لن يكون فاعلا ومؤثرا الا اذا توحدوا واتحدوا حول مشروع وطني واحد، مثل تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية والدولية من اجل الحفاظ على استقراره الداخلي لان تحييد لبنان، كما سويسرا، قد يحتاج الى قرار عربي ودولي. وتحييد لبنان عن الصراعات يجب ان يكون موضوع توافق داخلي لا صراعا بين فريق وآخر بمعنى ان اللبنانيين في حاجة الى توافق على السياسة الخارجية التي هي اساس للوفاق الداخلي، فلا يظل في لبنان تيار طائفي ضد تيار طائفي آخر انما تيار واحد يجمع كل الطوائف. لذلك من المهم ان يتفق المسيحيون على دور وطني في ما بينهم كي يمتد الى الطوائف الاخرى. فالتمحور مع حلف ضد آخر يؤدي الى حرب اهلية بينما اعتماد سياسة خارجية منفتحة ومفتوحة على كل الاحلاف والمحاور لتوظيفها داخليا يخدم الاستقرار ويحصن السيادة والاستقلال.
ان تجارب حكم الطائفة الواحدة فشلت، فمهما قويت شوكة طائفة معينة يجب ان تعلم ان المشاركة مع الطوائف الاخرى هي الشرط لحكم لبنان، ومشروع الطائفة الحاكمة هو مشروع حرب مع الطوائف الاخرى بينما مشروع التوازن بين الطوائف في تحمل مسؤوليات الحكم وليس التوازن في العدد، هو مشروع السلام الدائم والامن الثابت، ولكن بعيدا عن لعبة المحاور واخطارها، فالاحادية الطائفية في لبنان لم تكن ولن تكون حلا انما الحل هو بمشاركة الكل مشاركة ايجابية لما فيه مصلحة الوطن وليس مشاركة سلبية للمشاكسة فقط. وهذا يتطلب حكمة تسود كل الافرقاء، وعقلا لبنانيا يعرف تهذيب الغرائز الطائفية، وإلا استمر اللبنانيون في الانتقال من حرب الى ازمة، ومن ازمة الى حرب…
ان المصالحة بين المسيحيين وتحديدا بين الموارنة يجب ان تبنى على اساس مشروع وطني يجمع كل الطوائف حوله. وهو مشروع تحييد لبنان عن كل الصراعات والمحاور الاقليمية والدولية، وألا يبقى المسيحيون لا دور لهم سوى الاصطفاف الى جانب السني او الاصطفاف الى جانب الشيعي بل ان يكون دورهم جسر توافق بين السنة والشيعة، لا المراهنة على اقتتالهم لانه لا يفيد المسيحيين، بل قد يحولهم وقودا ويفقدهم دورهم، عدا ان هذا الاقتتال يقتل لبنان. فالمصالحة بين المسيحيين وتحديدا بين الموارنة يجب ان تقوم على الدور الذي ينبغي ان يؤدوه من اجل لبنان السيد الحر المستقل وضمان بقائه ووجوده، وهو دور التوافق والتفاهم بين جميع اللبنانيين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، فالمسيحي الذي يراهن على التناقضات والخصومات خاسر، والمسيحي الذي يراهن على التفاهمات هو الرابح.