حقيقة عون برأي المنوّرين
"محبة السلطة… الايمان ب"حزب الله" وسوريا للوصول إلى هذه السلطة… الرجاء ب"حزب الله" وسوريا على انهاء كل مسيحي حر عن طريق الجنرال". كلام الدكتور سمير جعجع لا يحتمل المزايدة ولا التحوير. انه أصدق توصيف للواقع البائس الذي يعيشه المجتمع المسيحي في لبنان منذ 22 عاماً. لكن بالإذن من "الحكيم"، أرى نفسي مضطراً لأضيف امراً بالغ الخطورة والأهمية من حيث الوجود المسيحي الذي لطالما دافعت عنه "القوات اللبنانية" وبذلت الغالي والرخيص من أجله قائداً(سجن) ومقاتلين(شهداء) وحزبيين ومناصرين(تنكيل وتعذيب). ففي لقاء فكري ذات طابع سياسي واجتاعي مع بعض رجال الاكليروس المسيحيين طرحت قضية الانقسام المسيحي السياسي ومدى انعكاسه على العلاقات الاجتماعية حتى وصل إلى حدّ تهديد بنية العائلة الواحدة المكوّنة من أب وأم وابناء واشقاء وابناء عمومة وخؤولة وما إلى هنالك من روابط وصلة قربى.
تلك ليست مزحة ولا مجرّد دعابة فكاهية ساخرة من مخلّفات البرامج التلفزيونية الكوميدية الانتقادية، لأن رجال الاكليروس الذين كانوا يتداولون تلك الظاهرة المرعبة والمهددة للكيان المجتمعي المسيحي اللبناني لايمزحون عادة في مثل هذه الأمور بل بدوا متهيّبين وواعين مسؤولياتهم بغية وصف مكامن الخطأ بدقة، حتى بلغ الحوار درجة كبيرة من المصارحة ووضع الأصبع على الجراح وتسمية الأمور باسمائها.
كان من الطبيعي التطرّق إلى مسلك التيارات والأحزاب التي تصنع هذا الفرز السياسي ومدى مسؤوليتها بتعميم ثقافة الغاء الآخر واعتماد تربية وتثقيفاً سياسياً لناشئيها وشبابها يتناقض مع المفاهيم والمبادئ المسيحية التي واكبت الأجيال عبر التاريخ.
ولأن المجالس بالأمانات، وليس الهدف ذكر الاسماء يهمّنا عرض أهم ما تطرّق اليه الحوار بموضوعية علّنا نساهم في تنوير الرأي العام:
– أجمع اقطاب اللقاء انه رغم الصراعات المسيحية في التاريخ اللبناني لم تبلغ يوماً مستوى التأثير على البنية الاجتماعية كما هي اليوم.
– حمّلت مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع لمعظم التيارات والأحزاب المسيحية بنسب متفاوتة، لكن حصة الأسد نالها التيار العوني بأسلوب رئيسه ميشال عون.
– لاحظت الأكثرية بأن المجتمع المسيحي قبل الظهور العلني الرسمي لعون كرئيس للحكومة الانتقالية عام 1988، لم يكن يعاني من هذه الظاهرة المستفحلة، ولو كانت هناك خلافات ووجهات نظر معارضة لبعض الزعماء المسيحيين، الاّ ان تأثيرهم على المناصرين والمؤيدين لم يكن يتخطى مفهوم الغاء الآخر وعدم احترام وجهة نظره أو فكره السياسي، حتى في احلك ظروف الحرب الأهلية.
– ترويج ميشال عون لتعاطي سلبي مع الآخرين عبر استخدام خطاب متوتر وشعبوي يتضمن كماً هائلاً من الشتائم والسباب وتهجّمات على الاعلاميين والصحافيين بشكل لا يعير فيه اهماماً للمعايير الاخلاقية وادبيات الكلام، فنقل هذه الثقافة السلبية إلى مناصريه حتى آخر الناس اهتماماً بالسياسة لسهولة فهم الخطاب الغرائزي.
– شهدت الأربعة اعوام الفائتة ضرب لكل معايير تقبّل الرأي الآخر بإدارة ميشال عون من خلال اعتبار الأطراف المسيحية الأخرى مجرد اقلية ومحاولة نبش قبور من الحرب الأهلية ولصقها بالآخرين وتوظيفها في الحاضر مما انعكس على الوجدان الشعبي المسيحي قرفاً واشمئزازاً واحياناً توتراً بسبب نكء الجراح لذكريات اليمة لدى بعض الناس، كانوا قد طووا صفحتها وخصوصاً تجربة "حرب الالغاء".
– رغم معرفة ميشال عون بالحضور الشبابي للأحزاب المسيحية الأخرى وخصوصاً "القوات اللبنانية"، بقي يتعاطى كأن لا وجود لأحد غيره كممثل للمسيحيين وفق المبدأ الشهير "أنا او لا أحد"، مما خلق حالة من التوتر بين الشباب المسيحيين واحياناً سجالات وتعارك بالايدي في الكليات والجامعات.
-تعرّض ميشال عون للمقامات الدينية وخصوصاً البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، ضارباً بعرض الحائط ما يرمز اليه في المسار الوطني النضالي وما يمثّله في ضمير المسيحيين والموارنة على الأقل، فبات محازبون يستسهلون التطاول على شخص البطريرك في مجالسهم الخاصة.
… قد يعتبر بعض المغرضين والمشككين ان هذا اللقاء كان مصوّباً ضد ميشال عون وحزبه، لكن كلمة حق تقال ان اجواء اللقاء كانت تصبو إلى ضرورة التحرك في كل الاتجاهات حتى بإتجاه ميشال عون لتصحيح الأوضاع، فهؤلاء الذين حضروا اللقاء هم من طبقة المنوّرين الذين لا يأخذون مواقف مسبقة من احد ويكّن أكثريتهم كل احترام لجميع الأحزاب المسيحية وبينهم "التيار الوطني الحر"، لكنهم لا يقبلون المساومة في توصيف الحقائق ولا هدف لديهم بمسايرة هذا أو ذاك، الاّ ان تقويمهم الصريح والنقدي للحالة السياسية المسيحية جاء في اطار معاينة مكامن الداء في المجتمع المسيحي تمهيداً لوصف الدواء وضرورة اصلاح ما تزعزع. قد يكون ذلك في العودة إلى الجذور المسيحية الحقيقية التي تقوم على التلاقي والترفّع عن الحساسيات والاعتراف بالآخر ورفع مستوى التحاور السياسي.
