#adsense

“برنار كوشنير” والخيبة المعتادة!

حجم الخط

 "برنار كوشنير" والخيبة المعتادة!

يترقّب اللبنانيون بحذر وبغير إفراط في التفاؤل أو التشاؤم الأثر الذي ستتركه زيارة دولة رئيس مجلس الوزراء سعد رفيق الحريري إلى العاصمة السوريّة دمشق، ونتائج الاجتماعات والخلوات التي وصفت بالشفّافة والصادقة وكيف ستنعكس على لبنان "مأسسة" حقيقيّة لعلاقات صادقة ومتينة بين دولتين عربيتين وجارتين، والتريّث أمام هذه الزيارة التاريخيّة التي نهض بأعبائها الرئيس سعد الحريري ضروري وإيجابي فلا استعجال النتائج مفيد واستئخارها قد يكون ضاراً، وفي النهاية ؛ ما يريده اللبنانيون من سورية الدولة الجارة والشقيقة لا يتجاوز الحدّ الأدنى المطلوب في علاقات حسن الجوار بين دولتين فكيف إذا كان ما يجمعهما قد يكون أهم لمستقبل كلّ من الدولتيْن…

ولم يُخف اللبنانيون حالة "الطرب" التي انتابتهم وهم يصغون إلى رئيس حكومتهم الشاب في مؤتمره الصحافي في مقر السفارة اللبنانية في دمشق ـ وهذه لوحدها إنجاز كبير – وكلّما ردّد الرئيس الحريري الابن خلال إجاباته "مصلحة البلدين والشعبين والدولتيْن"، ازداد اللبنانيون تأكداً من أن العلاقات اللبنانية السورية قد تستقرّ وسيتاح لها أن تكون "أخويّة" وترضي الطرفين – لا بإكراه أحدهما للآخر – وبالمودّة والاحترام المتبادل للاستقلال الكياني لكلّ منهما، وبالمعنى الأخوي الحقيقي، لا بمعنى "افتئات الأخ الأكبر على الذي يعتبره الأخ الأصغر"…

وسط هذا الترقّب والتريّث الحذر اللبناني، خرج تصريح برنار كوشنير كحجر يرشق "الزجاج الملوّن" الذي حاول كثيرون "شعشعة" ألوانه بدافع تحويل مصب الاستفادة لهذه الجهة أو تلك، وربّما السبّاق في هذا المجال كان حزب الله، الذي حاول أن يختزل نتائج الزيارة كلّها لمصلحة سلاحه، وهذا ليس بأمر مستغرب، فالحزب لم يعد لديه سوى استراتيجيّة واحدة يتمحور خطابه حولها، بل تكاد تتمظهر أحياناً لراصدها وكأنها استراتيجيّة "موت أو حياة" بالنسبة اليه وهي باختصار مملّ – للسيمفونيّة اليوميّة – الاحتفاظ بسلاحه، وهذه سابقة في تاريخ الأحزاب السياسية التي تريد ممارسة السياسة والمقاومة في الوقت نفسه، ومن المستغرب بشدّة أن يُباهي حزب بكلّ هذه الانجازات التي حقّقها، ثم يصبح سبب وهدف وجوهر وجوده هو احتفاظه بسلاحه!!

"حجر التشاؤم" الذي ألقاه وزير الخارجية الفرنسي مستغرب قليلاً، والسؤال الملحّ هل حجر الخيبة هذا هو تعبير عن خيبة رسميّة رئاسيّة ساركوزيّة من التجربة الدمشقيّة، أم هو "نتعة تصريح" على عادة كوشنير، على اعتبار أنه "ينتشي" بتصريحاته أمام عدسات الكاميرا ومنصات الحوارات والمحاضرات؟! وتصريح كوشنير جاء على هامش محاضرة في مقر "نادي الصحافة الأوروبي الأميركي"، وتضمّن كلامه نقطتين مركزيّتين بالنسبة الى اللبنانيين وهما عملياً مصدر قلق وتساؤل دائم بالنسبة إليهم… الأوّل والأهم والأكثر أولوية بالنسبة الى اللبنانيين هو موضوع المحكمة الدوليّة، وإشارة كوشنير الواضحة إليها تؤكد أنّها ما زالت تحظى بمستوى الاهتمام الدولي نفسه وأنّها خارج سياق كلّ تسوية، فأكّد وزير الخارجيّة الفرنسي أن الأمور واضحة بهذا الشأن: "زيارة الحريري ليست ولا بأي شكل نهاية للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مذكراً أن الأمور لطالما كانت واضحة بهذا الصدد".

أما "حجر الخيبة" الذي ألقاه كوشنير في المياه اللبنانية الحذرة فقد أحدثَ "نقزة" لأنه موقف غير مفهوم، خصوصاً في ظل الرعاية الساركوزية المشجعة للانفتاح على سورية، فما الذي استدعى تصريح الخيبة "الكوشنيريّة" هذا؟

وعندما يصرّح وزير الخارجية الفرنسي واصفاً زيارة رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري إلى دمشق بـ"بادرة رجل دولة"، ثمّ يتبعها بإشادة بـ"خطوة الرئيس السوري بشار الأسد"، ثم فجأة "يفرمل" تصريحه بخيبة معتادة فيأمل: "ألا يكون "مخطئاً – ويؤكّد مرارة الخيبة مفسّراً خصوصيّتها ـ فلطالما خاب أملنا بسورية بشكل خاص".

هذا التصريح قد يكون كلاماً مرتجلاً ليس إلا، وقد يكون أكثر من ذلك، إلا أنّ ثمّة قاسماً مشتركاً بين تاريخ خيبة اللبنانيين من تكرار المحاولة مع دمشق وانتهائها بالفشل، وخيبة كوشنير التي تبدو أنها قد تكرّرت عند الديبلوماسيّة الفرنسيّة بشكل خاص على حد وصفه..

وعلى الرغم من ذلك، هذا دافع آخر للتريّث والترقّب والحذر، خصوصاً مع مفاجأة إطلاق الرصاص على باص يقلّ مواطنين سوريّين وسقوط ضحايا أبرياء، هناك مَن يحاول رشق زيارة الرئيس الحريري إلى دمشق بالتعكير، ولكنّ رائحة هذا السيناريو ليست غريبة على أنوف اللبنانيين، خصوصاً عندما تبدأ "الكمنجات" القديمة بالعزف على أوتار طرح السؤال عن "المتضررين"، لذا المطلوب التعجيل بالتحقيقات، فاللبنانيون راغبون بمعرفة من وراء الحادث ومعنيون بالمعرفة قبل سواهم، لأنهم لم تعد تنطلي عليهم سيناريوهات تفجيرات التسعينات ما بعد الطائف، و"فهمكن كفاية"!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل