في انتظار الترجمة
صحيح ان مستشارة الرئيس بشار الأسد السيدة بثينة شعبان سارعت الى التأكيد ان الترجمة العملية لزيارة الرئيس سعد الحريري ستكون قريبة وملموسة على أكثر من مستوى، إلا انه لا بد من الترحيب بكل الكلام الايجابي والجدي والصريح الذي حفلت به اجتماعات الساعات الطويلة.
ولا بدّ من الانتظار والمتابعة للتأكد من ان الخطوة الشجاعة والتاريخية للرئيس الحريري قد أُوتيت ثمارها، أو قد أسفرت عن صفحة جديدة، وأسلوب جديد في التعامل بين بيروت ودمشق، وأُعطيت الدولة اللبنانية أخيراً دورها الذي كان ضائعاً وتائهاً بين علاقات وادوار جانبية، سواء مع هذا الطرف السياسي اللبناني او مع تلك الطائفة وذلك الحزب.
صفحة جديدة بين دولة ودولة، تساندها الجيرة والجغرافيا والقرابة، ولا يتنكّر لها التاريخ، وعلى أساس الحرص على سيادة البلدين ومصلحتهما العليا، مع الانفتاح، والتعاون، وترسيخ الثقة، وتبادل الخبرات في مختلف الحقول، وبكل ما من شأنه ان يعود بالخير على الدولتين والشعبين الشقيقين.
انما قبل ذلك كلّه، وقبل الخوض في تفاصيل العلاقة الثنائية وكيف تكون ندية وصحيحة وقابلة للحياة والاستمرار والتطوّر، تقتضي المناسبة الاعتراف للرئيس الحريري بأنه برهن للبنانيين بكل فئاتهم وللعرب بكل ما يجمعهم ويفرّقهم انه رجل دولة مقدام، ويتقن اتخاذ القرارات والمواقف، ويوحي بالجدية والالتزام الكامل لما يتعهد.
ولا يتردد لحظة في تخطي كل الحواجز والاعتبارات عندما تتطلب مصلحة لبنان العليا إقداماً وتضحية.
ومن الطبيعي ان تساهم الزيارة الحدث، ومباشرة، في تبديل المناخ السياسي الذي يحاصر المنطقة، وتبديد التشنجات التي تسود علاقات بعض الدول الشقيقة، والتي يشوبها الكثير من التأزّم حتى انقطاع الودّ والاتصال.
هنا بالذات يجوز لنا أن نبصم مع الرئيس نبيه بري على ان زيارة الرئيس الحريري للرئيس الأسد، بساعاتها ودقائقها وولائمها ومحادثاتها، هي في بعدها الرابع "توقيع بالأحرف الأولى لاتفاق سلام" بين لبنان ولبنان، وبين لبنان وسوريا، وبين سوريا والسعودية.
وهذي يدي عن بني وطني تصافحكم، فصافحوها تصافح بعضها العرب…
وكما كان إقدام سعد الحريري، فإن بشار الأسد لم يقصّر لا في الترحيب، ولا في إبداء الرغبة والاستعداد للانطلاق معاً في بناء علاقات متينة وصافية، تحترم خصوصية كل بلد ونظامه وتقاليده وقوانينه.
ومن باب تفعيل الاتصالات والتنسيق الكامل بين المؤسسات، وبما يدعّم هذه الصفحة الجديدة المأمولة، من صدق وصراحة وتجاوب من الدولتين، وعلى أعلى المستويات.
وقد لا يكون مبالغاً القول إن نجاح هذه الخطوة التي تتطلب جهوداً سورية فعلية ومقنعة وتغييرية، يمهّد تلقائياً لتوسيع نطاق "اتفاق السلام" ليشمل العالم العربي بأسره، وحيث لا تزال الخلافات الجانبية تشل حركة هذا "العالم"، وتبقيه عاجزا حتى أمام مشكلة ترسيم حدود مثلاً.
هل تتمكن الساعات الثماني بين الأسد والحريري من لملمة العلاقات الأخوية من بين الزواريب السياسية والانقسامات الفئوية وإعادتها الى أصالتها، وإعادة الأمور إلى نصابها؟
إن غداً لناظره قريب.