#adsense

حماية أحشاء الوطن من نهش الضواري

حجم الخط

حماية أحشاء الوطن من نهش الضواري
حميد عواد*

أقلعت حكومة الإئتلاف الوطني الجديدة من المجلس النيابي على متن 122 صوتاً من أعضائه منحوها ثقة عارمة بعد مناقشة البيان الوزاري، وتسجيل إعتراضات على إسباغ وظيفة دفاعية على فصيل فئوي مسلّح متمسّك بسيطرته على مواقعه، وبحرية حركته بمعزل عن سلطة الدولة وملتزم بعقيدة وإرتباطات وطموحات لا تحظى بتأييد معظم اللبنانيين ولا تأتلف مع تطلّعاتهم على الصعيد الوطني.

وطالما صِيغت الحكومة على أساس صيانة سلامة العيش المشترك والتوافق من خلال حقّ النقض لمكوّنات المجتمع، فلماذا خرقه في خصوص دور هذا الفريق؟

هل يخدم هناء هذا العيش جر السلاح للناس نحو وجهة لا يختارونها وتصوير مخالفة قرار قادة هذا السلاح إخلالاً بالوئام؟

عوامل القوة يجب رصفها داخل مؤسسات الدولة لا خارجها.

السلم الأهلي ليس رهينة للإبتزاز ولا مكسر عصا لخضّه و"إستدراج عروض وصاية" جائرة تحتقر وتئد مواهب المواطنين وتتقن التنكيل والتكتيم والتحطيم.

إلغاء الطائفية السياسية يطفح بالمغازي عندما يرفع لواءه غلاة الحشد الطائفي ويلوح فيها جرف بقية الطوائف بزخم تكاثر الحشود الآيل إلى "غلبة" وطغيان الفقر والجوع والمرض والجهل والبؤس والتناحر.

لا يمكن التوفيق بين التناقضات إلاّ في حال تضافر النيّة والرأي والعزيمة والعمل على تنقيتها من النتوءات والأدران لتتسق في بوتقة منطقية خلاّقة.

كل لبناني بارّ يودّ ويأمل أن تتبلور النوايا الحسنة التي شُكّلت بهديها هذه الحكومة التي بذل فيها رئيسها سعد الحريري جهداً إستثنائياً صادقاً ومهارة سياسية شفافة، فتنضج خيراً عميماً وتطلق نموّاً مطّرداً وتحقّق إزدهاراً منعشاً وإستقراراً راسخاً و طمأنينة مريحة.

البيان الوزاري برنامج عمل حافل بالمهمات لكن المطلوب من الحكومة إثبات الجدية في حفظ حقوق وصون كرامة وتأمين حماية كلّ مواطن ومدّه بمقومات العيش الكريم في محيطه.

فإنعدام فرص العمل خانق و مذلّ ولحسٌ للمبرد، والخوف من تعديات المارقين ماثل يومياً، والقلق من مسخ المفاهيم الوطنية المنطوي على تبعية ماحقة هاجس مقيم، و تهديد حملة السلاح الصريح والمبطّن باعث للتوجس ودافع لبيع الأرض و الهجرة وطوفان يجرف بالتتابع قرية تلو أخرى.

لقد غدا هذا الخطر نزفاً حادّا وخللاً بنيويا آخذاً في التفاقم كسريان النار في الهشيم.

لذا واجب ملحّ على الحكومة وأرباب السياسة التنبّه له وإحتضان المواطنين وإتخاذ تدابير صارمة وفعّالة لحماية الإنسان والأرض، وإلاّ فرغ الوطن من خيرة أبنائه و تغيّر صورته ودوره ونظامه.

إنتشار القوى الأمنية النظامية المخوّلة ببسط سيادة الدولة وحماية المواطنين في مختلف بقاع الوطن أمر حيوي. وحيوي أيضاً الإنعاش الإجتماعي والتنمية الريفية والمدنية بإطلاق مشاريع منوعة ومجدية.

كذلك إنشاء صندوق مالي تحت إشراف مرجعيات موثوقة يساهم في تمويله أصحاب الإرادات الطيبة يُكرس لتمويل الملاّكين الواقعين في ضيق مادي مقابل رهن الأرض او شرائها هو عمل سليم يجنّب المواطن خسارة أرضه أو يحفظها في عهدة أيادٍ أمينة.

الوطن بحاجة لتوقّد عقول و ملء عافية سواعد أبنائه الطيّبين لإلتقاط الفرص المجدية وتثميرها للنهوض من ربقات مطبّات الإحباط التي شلّت تقدمه، و لتقديم جردة حساب أمام أرواح الشهداء الذين أفتدوا بأجسادهم عزّته وحريته وسيادته وإستقلاله وأزاحوا عن صدور إخوانهم هيمنة ساحقة تمهيداً للصعود نحو آفاق التنمية والرفاهية.

ولضخامة الفداء تحول تقويمنا الزمني رزنامة إستشهاد على مدار السنة.

مع حلول 12 كانون الأول تنتصب في ذاكرتنا قامتا عملاقين جبّارين خاضا حروباً شرسة ضدّ الجهل والجور والإرهاب.

جبران التويني حمل مشعل حرية الرأي فجعل "النهار" منبراً لأصحاب الفكر الوهّاج الثائر على الظلم والهادي إلى رحاب الرقي وأجواء القيم الإنسانية السامية ومناهل المعرفة المثقِّفة.

كان قاذفة لهب تطلق فيض حبّه وإيمانه بلبنان الرسالة ورسله شبابه الأفذاذ. كان قائداً محرّكاً في مسيرة ثورة الأرز وسيبقى نبراساً وضّاءً وصوتاً هادراً يلهم الأجيال ويرعب جلاّدي الأحرار.

أما اللواء فرنسوا الحاج فكان بطلاً مغواراً في جيشنا الباسل أثبت كفاءاته و مهاراته العسكرية في مجالات عدة فرفعته إلى المرتبة القيادية التي تبوّأها و بلغ ذروة تألّقه في التخطيط و الإشراف على إسقاط بؤرة الإرهاب في مخيّم نهر البارد.

لقد زار لبنان دانييل بلمار المدعي العام في طاقم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ليعرب عن تقديره العميق لتضحيات الشهداء الموكول إليه كشف المتورطين في تخطيط وإعداد وتنفيذ إغتيالهم وفي طليعتهم الرئيس رفيق الحريري، وليؤكد ثبات مسار التحقيقات وطمأنة المسؤولين وأهالي الشهداء إلى إحراز تقدم في عملية التنقيب عن الأدلة والقرائن وتفحّصها وتحليلها، والتعمّق والتوسّع في كشف خيوط شبكة الإجرام التي يحرص على شمول جلائها للتيقّن من متانة حبكة القضية قبل البتّ بها.

وفي كل مرة يسلّط الضوء على هذه المحكمة "يصادف" تحرك قضاء إقليمي لإصدار إستنابات عائبة قانونياً وكأن المقصود بها القول: تذكروا أن لقضائي القدرة على النيل من شهودكم.

كما "كشّر" هذا التحرك عن أنياب غريزة الإفتراس المتأصّلة في سلالة نظام "النخبة" القابض على السلطات تعبيراً عن غضبه من إنطلاق رئيس الوزراء اللبناني في أولى جولاته الرسمية من خارج "بيت الطاعة" السوري.

أبناء وطني الأغرّ، التجربة علّمتنا ألاّ نؤخذ بالوعود الخلّب وألاّ ننقاد وراء قيادات
مزيفة تستخفّ بذكائنا وتحاول سوقنا إلى حظيرة العبودية مجدداً.

لنحكّم عقولنا ولنميّز بين الصواب والخطأ، ولنتبيّن وجهة كل خطوة (ولو وطأت سجّاداً أحمر)، ولنتحسس الأخطار الكامنة في المواقف والمسالك، ولنحذر الغفلة، و لنستجمع الجهود الصادقة لحماية وطن الأرز الدهري قلباً وقالباً، موئلاً للحرية والديمقراطية والإزدهار، وقدوةً لذوي الألباب التوّاقة إلى الإرتقاء.

نَسْغُ الأرز يغلي في عروقنا قلقاً هلاّ إنتخينا و قلنا لبّيك يا أرز

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل