لبنان في التسوية المرحلية
تحكم العلاقات السعودية السورية في الوقت الحالي المستقطع تسوية مرحلية قوامها تهدئة الأوضاع بين البلدين بانتظار هبوب العاصفة التي يمكن أن يؤدّي اليها تفاقم الملفات المتأزمة في منطقة الشرق الأوسط، من افغانستان الى الملف النووي الايراني والملف الفلسطيني الى الوضع اللبناني، اضافة الى الأوضاع المتدهورة في اليمن وخصوصا على الحدود السعودية اليمنية.
المملكة العربية السعودية تسعى الى تحييد سوريا في المواجهة القائمة حاليا بينها وبين ايران، والتي تتجلّى احدى مظاهرها في الحرب الدائرة منذ مدّة على الحدود السعودية اليمنية بين القوات العسكرية السعودية والمقاتلين الحوثيين المدعومين من ايران.
في الوقت نفسه تستفيد سوريا من هذه العلاقة المستجدّة مع المملكة كمدخل لتصحيح علاقتها مع المجتمع الدولي ولا سيما مع الولايات المتحدة الأميركية، مما قد يترك لها هامشا من التحرك في أيّ مسلك ممكن أن تأخذه تطورات الأحداث في المنطقة وخصوصا الملف النووي الايراني مع المجتمع الدولي.
هذه التسوية الاقليمية الهشة، بما أنّها ليست مبنيّة على قواعد صلبة، تنعكس تهدئة على الأوضاع الداخلية اللبنانية على الصعيد السياسي والأمني في انتظار جلاء الصورة على صعيد الملفات الاقليمية. وهذا ما سمح بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها وسمح بتأليف الحكومة ونيلها الثقة.
وما يثبت هشاشة هذه التسوية هو صدور ما عرف بالاستنابات القضائية السورية تجاه عدد من الأشخاص المحيطين بالرئيس الحريري من جهة، وتصريح وزير خارجية المملكة العربية السعودية حول استحالة قيام دولة قوية في لبنان بوجود حزب الله وسلاحه من جهة أخرى.
في هذا الوقت الضائع تعرف سوريا، وهي الخبيرة بالوضع اللبناني، كيفية الاستفادة من اتفاقها مع السعودية ومن بداية الانفتاح الغربي عليها لاعادة لملمة أوراقها على الصعيد اللبناني. ومن اجل ذلك يسعى المسؤولون السوريون من خلال استقبالاتهم للشخصيات اللبنانية الى اظهار امساكهم من جديد باللعبة اللبنانية الداخلية.
ان المشهد، في الطريقة التي يراها بعضهم، قد يوحي في بعض جوانبه كأنّ هذه التسوية تتضمن في ما تتضمنه اعادة اعطاء تفويض ما للسوريين للامساك بالملف اللبناني، فيما الحقيقة غير ذلك تماما. فلا المجتمع الدولي ولا الولايات المتحدة الاميركية ولا السعوديون يريدون اعطاء السوريين هكذا تفويض، ولا السوريون يصدقون أنّ المرحلة التي بلغتها العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة تسمح بذلك.
ولأنّ السوريين يعرفون عقلية معظم المسؤولين والسياسيين اللبنانيين، فهم يعلمون بالتالي أنّ مجرد الايحاء بوجود تسوية اقليمية او دولية على حساب لبنان تفوّض سوريا الملف اللبناني، سيجعل الكثير من اللبنانيين يهرولون نحوها ويتهافتون لكسب ودّها.
في هذا السياق يأتي استهداف القوات اللبنانية، لأنّ الجميع يعرف أنّ "القوات" عاصية وغير معنية بكل ذلك. فالقوات تمثّل اليوم العمود الفقري للمقاومة السياسية، تماما كما كانت العمود الفقري للمقاومة العسكرية عندما كان ذلك ضروريا. و"القوات" اليوم ليست وحدها بل معها العديد من الحلفاء الذين لا يزالون ثابتون في ثورة الارز.
ومن هذه الزاوية يجدر النظر الى زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الى سوريا. فقد وضعت هذه الزيارة، في حال صدقت النوايا، أسسا لإرساء علاقات لبنانية – سورية على قواعد متينة تسودها الصراحة والمساواة والإحترام المتبادل، علاقات من دولة إلى دولة، تراعي مصالح البلدين المشتركة وتحترم إستقلالهما وسيادتهما على أراضيهما. وقد شكل المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الحريري في نهاية زيارته في مقر السفارة اللبنانية انتصارا اضافيا على لائحة المكاسب التي تستمر ثورة الأرز في تحقيقها.