قال الأب للإبن !
ماذا لم يقل بعد عن زيارة سعد الحريري لدمشق ولقائه بشار الأسد؟
لقد قيل كل شيء تقريباً، في سياق التحليل الذي تناول شكل الزيارة، لجهة اقتصارها على الحريري ومدير مكتبه، ولجهة الحفاوة التي أضفاها الأسد على ضيفه والحرارة التي تعمد إظهارها وإحاطته بها ومعاملته معاملة رؤساء الدول متجاوزاً قواعد البروتوكول المعمول به.
وقيل كل شيء تقريباً في سياق التأويل الذي حاول أن يقدم لائحة بالاحتمالات التي تشكل مواضيع المحادثات الطويلة بين الأسد والحريري، التي استغرقت أكثر من ثماني ساعات. وقيل الكثير عن الحدود بين الجانب الشخصي والجانب السياسي. ولم يتردد البعض في بيروت في إقامة حسابات الربح والخسارة بالنسبة إلى الحريري، صاحب الحق المطالب بالحقيقة ورئيس الحكومة صاحب المسؤولية الوطنية وحامل أوزارها، في بلد يعرف جيداً أن الانشطار السياسي العميق بين أبنائه وطوائفه، جعل من المستحيل تشكيل الحكومة من دون الضوء الأخضر السوري، الذي يشارك "الفولتاج" الإيراني في تغذيته.
❑ ❑ ❑
ما لم يقل فعلاً رغم طوفان الدوي الذي أثارته الزيارة وتستمر في إثارته، هو أن ذاكرة الكثيرين قصيرة جداً. بمعنى أن الزيارة حصلت قبل أن تحصل. حصلت بشكل تدريجي، من خلال تصريحات سعد الحريري التي سبقت تشكيل الحكومة، عندما كرر أنه كرئيس للحكومة اللبنانية سيزور دمشق. وكان هذا بالتأكيد نتيجة قرار شخصي اتخذه وحيداً ومختلياً إلى وجدانه. ففي اللحظة التي "قبل" فيها أن يكون رئيساً وافق على أن الواجب الوطني سيحمله إلى دمشق وأنه سيقطع مسافات من الأهوال السيكولوجية والشخصية قياساً بتلك الوديان السحيقة التي نشأت بعد اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري.
وكان مثيراً جداً بالفعل أن تغلب على ردات الفعل ملامح المفاجأة الصاعقة أو غير المنتظرة رغم أن الزيارة كانت في حكم الواقعة منذ قَبل الرجل أن يصير رئيساً للحكومة كما قلنا. ثم منذ دخلت المصالحة "اللبنانية – السورية" إذا صحّ التعبير، في سياق سياسة إعادة ترتيب البيت العربي، التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين مبتدئاً بمصالحة الأسد في قمة الكويت.
وما لم يقل عن الزيارة، أن سعد الحريري "أجرى ترسيماً للحدود بين الحق الشخصي، أي إرث الدم الذي صار في عهدة المحكمة الدولية، والواجب الوطني، الذي تفرضه المسؤولية السياسية، قبل البحث في ترسيم الحدود بين البلدين.
وما لم يقل أيضاً وأيضاً، حتماً لقد سأل سعد الحريري نفسه مئات المرات: لو كان رفيق الحريري في مكاني هل كان يقبل أن يصبح رئيساً للحكومة يهبط في دمشق وينام في فراش بشار الأسد؟
ولو كان أبي في مكاني وهو قدوتي في عملي السياسي ونهجي الوطني، هل كان يتردد في قبول واجبه الوطني؟
قياساً بالإرث السياسي والوطني وبقواعد الحنكة التي ميّزت عمل رفيق الحريري. وقياساً بكل ما تحمّله من أجل واجبه الوطني، يمكن الجزم أن رفيق الحريري كان ليفعل ما فعله سعد الحريري تماماً. وربما همس الأب للإبن: من أجلي وفي سبيل لبنان، لتكن رئيساً للحكومة يهبط في دمشق بادئاً "حركة تصحيحية" في علاقات البلدين المميزة. هكذا تستطيع أن تبزّني يوماً في السياسة، وهكذا يبدأ الدهاء.