#adsense

هل كانت زيارة الحريري ” تاريخية ” و لمصلحة لبنان ؟

حجم الخط

هل كانت زيارة الحريري " تاريخية " و لمصلحة لبنان ؟

الرئيس الراحل فؤاد شهاب كان يردد دائماً : " على اللبنانيين ان يميزوا بين رجل الدولة ورجل السياسة ، فرجل الدولة هو ملك للأمة والوطن ، فيما رجل السياسة يعتقد ان الأمة والوطن ملك له "، ويضيف الرئيس شهاب "رجل السياسة يفكر في الانتخابات المقبلة ، فيما رجل الدولة يفكر في مصلحة وطنه العليا وفي مصلحة شعبه".

أردت هذه المقدمة لأقول ان سعد الحريري ومن خلال زيارته إلى سورية " جواً " برهن انه سر أبيه وانه رجل دولة بامتياز بحيث فضل مصلحة وطنه العليا ومصالح وأمن شعبه واستقراره على مصالحه الذاتية والانتخابية وشعوره الشخصي والعائلي.

واذا كان الشيء بالشيء يذكر فلا بد لنا من الاعتراف بان ما اقدم عليه سعد الحريري نجل الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان جريئاً وشجاعاً وبأن قراره زيارة العاصمة السورية كان صعباً وقاسياً عليه وعلى افراد عائلته وانصاره.

لكن من الانصاف ايضاً القول ان زيارة سورية و اللقاء الذي تم بين الرئيس السوري بشار الاسد ورئيس حكومة لبنان سعد الحريري هي جزء من مسار أقليمي بدأ عبر المصالحة السعودية – السورية واستمر حتى تحقق لقاء الاسد – الحريري وقد كانت لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز اليد الطولى في اقفال هذا الملف "النازف" منذ اربع سنوات ، وكل ذلك كان تنفيذاً للقرار الاستراتيجي والحكيم الذي اتخذه الملك السعودي في قمة الكويت بضرورة استعادة التضامن العربي في ظل متغيرات دولية واقليمية خطيرة قادمة على المنطقة يجب مواجهتها بالتضامن في ما بين كل الدول العربية .

كل من شاهد سعد الحريري عبر وسائل الاعلام المرئية ذلك اليوم داخلاً إلى قصر تشرين ، رآه يمشي بخطى ثقيلة وملامح متوترة ووجهه متجهم وهذا طبيعي بعد كل الذي حصل حيث لاقاه الرئيس السوري بشار الاسد متجاوزاً "البروتوكول " والاصول المتعارف عليها ، مستقبله استقبالاً خاصاً " ورئاسياً " وبكل مظاهر التكريم والحفاوة.

أذاً زيارة سعد الحريري وضعت حداً لاربع سنوات من الخصومة والعداء الشديدين مع سورية على خلفية الاتهام السياسي الذي وجه لدمشق بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعدما اصبحت القضية في عهدة المحكمة الدولية التي سيكون لها الكلام الفصل في هذا الموضوع…

سعد الحريري هو الزعيم السني في لبنان من دون منازع ورث الزعامة عن والده وعرف كيف يحافظ عليها ويقويها ويعززها ، فهو وحسب القول اللبناني ( قريب من القلب ) وإلى الناس ، يشعر مع الفقراء والمحتاجين ويعيش همومهم، يتابع احوال الناس عن كثب ، يملك روح النكتة ويملك كريزما كوالده الرئيس رفيق الحريري الذي لم يكن بامكان اي كان ممن عرفه أو تعرف عليه إلا يحبه حتى لو اختلف معه في السياسة .

دمشق من خلال رئيسها حرصت على اعطاء الزيارة طابع الزيارة السياسية والهادفة إلى تأسيس علاقة مستقبلية قائمة على الثقة والتفاهم المتبادلين والتعارف بين الرئيس السوري الشاب بشار الاسد ورئيس الحكومة الشاب سعد الحريري.

من الطبيعي القول ان اربع خلوات ثنائية بين الاسد والحريري لا يفيد التكهن بما دار فيها ، لأنه ضُربَ طوق من الكتمان الشديد حولها لكنه بالتحليل والمنطق بامكاننا تحديد ملامح المرحلة المقبلة على الشكل التالي :

– مجرد القيام بهذه الزيارة هو شيء ايجابي لأنه كسر الجليد وأوقف الشحن المتبادل حتى لو لم تصدر عنها نتائج سريعة ، لكن الزيارة وبما لا يقبل الشك الغت اجواء المرحلة السوداء السابقة وارست علاقة شخصية بين الاسد والحريري ، وكذلك اطلقت الزيارة مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – السورية وانتقلت هذه المرحلة من " سوداء " قاتمة إلى مرحلة يمكن وصفها حتى اشعار آخر " بالرمادية " إلى حين ان تتضح طبيعة واشكال العلاقة الجديدة بين البلدين.

– اللبنانيون يعرفون جيداً ان الملفات كبيرة بين لبنان وسورية وان سعد الحريري لا يملك عصا سحرية ولقاءً واحداً بين الاسد والحريري لا يمكنه حل كل المشاكل العالقة والمزمنة ( ترسيم الحدود – السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وغيرهما ) لكن من المؤكد انه بعد هذه الزيارة فأن اغلبية هذه المسائل ستشق طريقها إلى البحث والحوار عبر الاطر المؤسساتية ومن خلال تنفيذ ما نص عليه اتفاق الطائف.

زيارة سعد الحريري اعادت فتح طريق بيروت – الشام وفتحت مرحلة جديدة بين الدولتين ، مرحلة نأمل ان تكون قائمة على الاحترام المتبادل وعدم تعاطي اي من البلدين الجارين في الشؤون الداخلية للبلد الآخر ، والاشارة الاولى في هذا الاتجاه اتت من خلال الخطوة الوطنية الشجاعة التي تجلت في اختيار سعد الحريري ارضاً لبنانية (السفارة اللبنانية في دمشق ) ليعقد فيها مؤتمره الصحافي في ختام محادثاته مع الرئيس السوري بشار الاسد وقبل عودته إلى بيروت .

وتبقى الانظار متجهة اليوم إلى سعد الحريري لمعرفة كيفية اقناع حلفائه خصوصاً منهم مسيحيي 14 آذار بقدرة التكيف مع الوضع المستجد مع بداية مرحلة جديدة يجب ان تكون متكافئة بين البلدين الجارين و لمعالجة ذيول مرحلة سوداء واعادة بناء علاقات الثقة المتبادلة وفق ما نصّ عليه اتفاق الطائف ومن خلال الزيارات المتبادلة لمسؤولي البلدين الجارين .

و اخيراً ان زيارة الحريري إلى دمشق شكلت نقطة تحول مهمة في مسار الوضع اللبناني، وانتقل لبنان من مرحلة الادارة السعودية – الايرانية ( الصراعية ) إلى مرحلة الادارة السورية – السعودية ( التفاهمية ) .

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل