هل يزور الأسد لبنان مطلع السنة المقبلة؟
أوساط الحريري: خطوات إيجابية من دمشق لا يمكن تجاهلها
سيمر وقت طويل قبل ان تتوقف الكتابة عن الزيارة التاريخية للرئيس سعد الحريري لدمشق واللقاءات الطويلة التي عقدها مع الرئيس بشار الاسد والاستقبال "الملوكي" – الرئاسي الذي لقيه. وسيبقى كل ما قيل ويقال عن تلك اللقاءات في اطار الاستنتاج والتحليل وابداء الرأي. وما لا يختلف عليه اثنان هو ان صورة اللقاء في ذاتها هي الحدث.
ولعل اولى ثمار الزيارة يمكن ان يتلمسها من يتتبع النبض الحقيقي للرأي العام وخصوصا في شقه المتعلق بالقواعد الشعبية للرئيس الحريري. ثمة ارتياح لدى الناس وقد تعبوا وعانوا الامرين من ضغوط السنوات الماضية. وذلك ليس بمعنى الاستسلام ومقايضته بالهدوء ، قطعا لا. ولكن، على رغم المآخذ الكثيرة للبنانيين عموما على كل اخطاء وخطايا "زمن الوصاية" فانهم في غالبيتهم الساحقة، ومنهم جمهور الحريري خصوصا، كانوا يشعرون انهم وضعوا في الموقع الخطأ. ليس سهلا عليهم ان يكونوا في موقع العداء لسوريا، للشعب السوري، وان تكن لهم مشكلة مع النظام في مرحلة ما، في مكان ما.
باختصار، كان المواطن اللبناني يشعر بانه في المكان الذي لا يريده، بل الذي فرض عليه فرضا. والمسؤولية مشتركة بين اللبنانيين والسوريين على مستوى المسؤولية والساسة والاحزاب، في وضع المواطن اللبناني في المكان الخطأ وفي اعادة "تموضعه" في المكان "الصح". واللقاء التاريخي بين الاسد والحريري يشكل خطوة متقدمة في هذا الاتجاه، ولن تقف في وجهها محاولات دنيئة كجريمة اطلاق النار على حافلة سورية وقتل احد ركابها من العمال. كانت عملية اطلاق رصاص على زيارة الحريري بكل المقاييس.
وفي سياق اعادة "تطبيع" العلاقات، علينا الاعتراف بان اللبنانيين وبنسبة عالية، ساسة واحزابا وشعبا، "ابدعوا" في استغلال النفوذ السوري ما قبل الوصاية وما بعدها. ولم تكن مواقف كثيرين منهم، تحالفا او خصومة، حبا بسوريا او رفضا لها، بقدر ما كانت "نكايات" وعملية استغلال سياسي على الطريقة اللبنانية لغايات ومآرب فئوية. كما على السوريين الاعتراف بانهم شركاء في تحمل مسؤولية "اباحة" الاستقواء بهم واستغلال النفوذ. ومن الانصاف الاشارة الى ان المسؤولين السوريين بدءا بالرئيس الاسد كانت لهم الجرأة في الاعتراف باخطاء المرحلة الماضية. ومرة جديدة، يتحمل المسؤولية من شارك من اللبنانيين في زج مواقع النفوذ السورية في ادق التفاصيل اللبنانية المحلية واستدراج تدخله فيها، مع العلم ان بين هذه المواقع من لم يكن في حاجة الى استدراج، بل امعن في اختيار شركاء له، ورسم لهم أدوار "استدرار" التدخل للمنفعة الشخصية، بالتكافل والتضامن، وتلك ليست من شيم الحلفاء. ولم يكن رئيس "كتلة لبنان الحر الموحد" النائب سليمان فرنجيه مخطئا عندما فرق بين الحليف والعميل، او بين الصديق والمنتفع والمرتزق. تلك مرحلة يجب ان تطوى، ولمصلحة البلدين.
وبين زيارة الحريري لسوريا للمرة الاولى بعد خصومة استمرت نحو خمس سنوات، وعلاقة جيدة "شبكها" رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مع الرئيس الاسد يمكن البناء على مرحلة جديدة من العلاقات الطبيعية. وثمة دعوة رسمية من الرئيس سليمان للرئيس الاسد لزيارة لبنان وجهها اليه في 14 آب 2008. وقد وعد بتلبيتها. وترجح مصادر رسمية ان تكون مطلع العام المقبل، وربما في شباط 2010، وترى ان كل اسباب تلبية الدعوة باتت قائمة.
واذ تتكتم الاوساط القريبة من الحريري على تفاصيل الزيارة – وقلة تعرف ما دار خلالها – فان بعضها يلفت الى ان الخطوات العملية هي الاهم في المرحلة المقبلة لجهة حسن الاداء المتبادل وطريقة التعامل في مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك (ترسيم الحدود، المعسكرات خارج المخيمات، التعامل مع المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري)، وترى ان الزيارة "كسرت الجمود وشكلت فرصة لتوضيح المواقف مباشرة من الطرفين".
وتقول الاوساط نفسها: "ان الرئيس الحريري ينظر الى تحالف 14 آذار كمسار ومبادئ معروفة ركيزتها الاستقلال ووحدة الدولة وسيادتها على كل الاراضي اللبنانية" وان "الخطاب السوري تطور في اتجاه تأكيد هذه المبادئ وليس في استطاعة احد تجاهل خطوات ايجابية جاءت من هناك".
وتخلص الى القول: "انطلاقا من ان نظرية الفريق السياسي الواحد تبنى على المبادئ، فان من يؤمن بها يصبح منا ونصبح منه. ومن نختلف معه على بعضها نحاوره، وفي النهاية ليس مستحيلا ان يقنع احدنا الآخر.