ليتوقَّف السياسيون عن مهزلة (استباق التحقيق)
الشكر، كل الشكر، للقوى الأمنية، من مديرية المخابرات إلى فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي التي كشفت هوية مطلق النار على الباص السوري في دير عمار وتبيَّن أنه شوقي الناظر ويحمل هوية قيد الدرس وهو كان على خلاف مالي مع سائق الباص على خلفية التهريب بين لبنان وسوريا.
ليس جديداً على القوى الأمنية أن تكشف جريمة، لكن أهمية كشف جريمة دير عمار انقذ لبنان من قطوع نسف المرحلة الجديدة من العلاقات بين لبنان وسوريا.
لقد اعتاد السياسيون في لبنان على (استباق التحقيق) فما أن وقعت الجريمة حتى تحوَّل معظم السياسيين إلى محققين جنائيين وإلى خبراء في عِلم الجريمة، وحمّلوا ما حدث أبعاداً اقليمية ودولية، وكأن هناك غرفة عمليات سوداء خططت ونفّذت… وتوارَت.
لو لم تكشف القوى الأمنية الجاني لكان السياسيون نجحوا في التسويق لنظرياتهم، لكن الكشف السريع للملابسات قطع الطريق عليهم وعلى التمادي في تحليلاتهم وبناء (بطولات) عليها.
ما الدرس الذي يجب أن يتعلَّمه هؤلاء من حادثة دير عمار؟
الدرس الأوَّل هو إفهامهم ان بمواقفهم الإرتجالية يعمدون إلى (تضليل التحقيق) سواء عن سابق تصور وتصميم أو عن (قلة دراية)، وفي الحالين فإن الإنعكاسات السلبية هي ذاتها.
الدرس الثاني ان (ثقافة المؤامرة) باتت تتحكَّم بكثير من الرؤوس السياسية، لكن علة هذه الثقافة انها تؤدي إلى (كسلٍ عقلي) فطالما ان كلَّ شيء سيُربَط بـ(المؤامرة) فهذا يعني:
لماذا إذاً الإستمرار في التحقيق طالما ان (المؤامرة) هي التي تقف وراء الجريمة؟
* * *
الدرس الثالث على ان السياسيين ان يقاربوا كل الملفات على هذا النحو فلا يتسرّعوا في اطلاق أَحكام يظهر لاحقاً انها خاطئة ومخالفة لكل قواعد المنطق.
* * *
بدل أن يتلهى السياسيون في اطلاق المواقف المجانية التي لا تُكلِّف شيئاً فإن عليهم أن يدرسوا ملفاتهم بطريقة جدّية، فلم يَعُد من الجائز أن يتسبّبوا في توتير الأجواء في وقتٍ يُفتَرَض فيهم أن يبادروا إلى تبريدها.
لا يجوز للسياسي أن يتحوَّل إلى (منجِّم) فلهذه الهواية أربابها لكن البلد لا يعيش على التنجيم والتوقعات بل على الأرقام والمعلومات والمعطيات الصحيحة، وهذا النهج يجب أن يُتَّبع ليس في الحوادث الأمنية فقط بل في كل الملفات المطروحة، فإذا والى السياسي فعلى موالاته أن تكون منطقية ومستندة إلى حجج وإذا عارض عليه أن يُعطي أسباباً مقنعة للمعارضة.
* * *
ربما هكذا تستقيم الأمور، فلماذا لا نحاول؟