#adsense

المتحفظون عن إلغاء الطائفية يحذرون من التباسات دستورية جديدة

حجم الخط

موقف بري يثير مزيداً من التساؤلات عن التوقيت والدوافع والأهداف
المتحفظون عن إلغاء الطائفية يحذرون من التباسات دستورية جديدة

لا يوحي الانكفاء الظاهري للسجالات التي تناولت الغاء الطائفية السياسية بعد تقدم ملفات اخرى الى الواجهة، ان الملف سيطوى قريباً، ذلك ان تفاعلاته لا تزال تبرز بين حين وآخر في تصريحات تحمل دلالات لا يمكن تجاهلها، سواء من المتشبثين ببقاء هذا الملف مفتوحا او المعارضين له. ويمكن الاستدلال على هذا التفاعل بالموقف الاخير لمتروبوليت بيروت للروم الارثوذكس المطران الياس عودة والذي شكل ركيزة مسيحية اساسية جديدة في ابراز المزاج المسيحي حيال هذا الامر ويبدو انه يشكل الجامع المشترك النادر بين المسيحيين، قادة روحيين وقوى سياسية، في الحذر حيال هذا الملف. والواقع ان ما اوردته "النهار" في هذه الزاوية عن المذكرة التي اعدها فريق رئيس مجلس النواب نبيه بري، والمتضمنة توضيحات لموقفه الداعي الى تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية والتي ينوي ابلاغها الى رؤساء البعثات الديبلوماسية، اثار اهتمام اوساط سياسية عدة، ولا سيما لدى جهات متحفظة عن طرح بري وتوقيته. فالتوقيت بالنسبة الى هذه الجهات يثير التباسات عدة من جوانب مختلفة، منها ما هو سياسي ومنها ما هو دستوري. فالجانب السياسي منها يتركز مجددا حول اسباب رمي الموضوع للنقاش العام في الاعلام على النحو الذي حصل وفي ظل موقف مسيحي متحفظ بالاجماع، اولاً لأن اي اقتراح مثير للحساسيات في وقت غير ملائم يؤدي الى رد فعل عكسي من حيث تمسك الطوائف بما لديها من اجل حماية نفسها في وقت خرج لبنان اخيراً بصعوبة من احتقان طائفي كاد يؤدي به الى حرب اهلية.

ثم ان ما تشهده المنطقة في الجانب المتعلق بالطوائف المسيحية، ان في العراق او فلسطين، يقلق هذه الطوائف ووجودها في لبنان. اضف ان هذا التساؤل عن الدوافع والخلفيات يسري حول كون الاقتراح اثاره الرئيس بري واثنى عليه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله من خلال ربطه الغاء الطائفية السياسية بالديموقراطية التوافقية التي هي من منظار الحزب تطبيقا عمليا لامتلاكه الثلث المعطل الذي هو بدعة غير دستورية. وتعود هذه الجهات الى التذكير بزمن الوصاية السورية عندما كان التهديد بالغاء الطائفية السياسية احد ابرز ما كان يواجه به المسيحيون في كل مرة كانوا يطالبون بتنفيذ اتفاق الطائف وانسحاب القوات السورية من لبنان، بحيث ان الامر بات مرادفا فقط لتخويف المسيحيين وطوائف اخرى تجد نفسها في الموقع نفسه. وتستعيد هذه الجهات ما انتهى اليه رئيس المجلس الشيعي الاعلى الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي اوصى بسحب موضوع الغاء الطائفية السياسية من التداول لخشيته على لبنان ومصيره. فضلا عن ان هناك كماً من التحديات امام اللبنانيين على صعد عدة ابرزها تنظيم العلاقة اللبنانية السورية على قواعد جديدة والتهديدات الاسرائيلية وسوى ذلك من المسائل المصيرية التي تبرر التساؤل عن الاسباب والدوافع والاهداف، علما ان ثمة شقا مجتمعيا في الغاء الطائفية كون المجتمع اللبناني بات مستقرا على مجموعة مؤسسات، من مدارس ومستشفيات وسوى ذلك، بحيث يبدو طرح الرئيس بري مناقضا لما يستمر عليه بناء المجتمع وتعريض ركائزه للخطر. وتردّ هذه الجهات على منطق الرئيس بري لموازنته الغاء الطائفية السياسية بإتاحة المجال امام المغتربين للمشاركة في الانتخابات، مما سيتيح للمسيحيين الذين هاجروا بكثرة الى الخارج بالاحتفاظ بوجودهم السياسي في لبنان قويا ومؤثرا، بأن ذلك اشبه ما يكون ببيع سمك في البحر، اذ ان ذلك يعني رهانا غير مضمون على المستقبل فضلا عن ان طمأنة المسيحيين لا تكون بطلب الغاء الطائفية السياسية حين يثير المسيحيون موضوع سلاح "حزب الله". اما في الشق الدستوري فان هذه الجهات السياسية نفسها تتساءل عن سبب اتخاذ رئيس مجلس النواب المبادرة في حين ان الدستور لا يحدد من يأخذ المبادرة في هذا الاطار.

وثمة التباس كبير في الآلية، اذ ان هناك جملة مواد دستورية ستحتاج الى تعديل. فهناك المادة التاسعة من الدستور التي تترك حرية المعتقد مطلقة وتضمن احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية. والمادة العاشرة التي تنص على حرية التعليم وحماية حقوق الطوائف في انشاء مدارسها الخاصة فضلا عن المادة 19 التي انشأت المجلس الدستوري بحيث اعطي رؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً حق المراجعة في مراقبة دستورية القوانين، الى المراجع السياسية، في ما يتعلق خصوصاً بالاحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية. فهل سيلغي الغاء الطائفية السياسية هذه المواد، وفقا لتساؤلات هذه الجهات؟! الى ذلك هناك المادة 95 من الدستور التي تنص على الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة لذلك، في الوقت الذي تنص مهمة الهيئة على الغاء "الطائفية" من دون الحاق الكلمة بـ"السياسية"، اي "الطائفية السياسية"، مما يعني ان ثمة حاجة الى تفسير دقيق للدستور لا اثارة التباسات جديدة. وتقول هذه الجهات ان المرمى النهائي لالغاء الطائفية يستدل عليه من المادة 22 من الدستور التي تفيد انه مع انتخاب اول مجلس نواب على اساس وطني لاطائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.

اما من الناحية الادارية فان مقاربة الموضوع لا تكون بنقض التوزيع الطائفي في الادارات الرسمية لان المشكلة هي في المحسوبية كما حصل في المناصب الوزارية اخيرا وكما يحصل في التعيينات الادارية. وتاليا فان ربط الامور بعضها ببعض استنادا الى ذلك ينطوي على مقاربة غير دقيقة ويفترض معالجتها بتعيينات تطال كفايات من كل الطوائف وليس حصرها بالمحسوبيات الطائفية. وتخلص هذه الجهات السياسية الى رفض تشكيل الهيئة وادعاء الرئيس بري انه لا يدعو الآن سوى الى تشكيل الهيئة وليس الى الغاء الطائفية فورا لأن تشكيل الهيئة يعطي انطباعا بأن الالية قد بدأت. وهذا ليس هو الوقت الملائم، ولا يُعتقد ان اياً من المراجع السياسية الاخرى ستجاري الرئيس بري في موقفه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل