كربلاء بين لبنان وايران
عندما يقيم الشيعة في العالم اليوم مراسم عاشوراء التي تجسد ذروة موقعة كربلاء التي مضى عليها اكثر من 13 قرنا تتجه الانظار الى مكانين بالتحديد: ايران حيث اكثرية السكان من الشيعة ومنهم نظام الحكم الحالي، ولبنان حيث "حزب الله" الذي يتمتع بنفوذ سياسي وامني لا مثيل له.
الواقعة التاريخية التي ترتبط بالامام الحسين تمثل الاطار، اما المضمون فهو من واقع زمن معاصر. وبين ايران ولبنان هناك مفارقة لا يمكن تجاهلها: ففي بلد الشيعة الاول في العالم هناك اضطراب سياسي كبير بين نظام حكم ومعارضة تريد، كما تعلن دفع الظلم الذي يمارسه الحكام، وفي هذا المشهد ما يقيم صلة مع الامام الحسين الذي جسد في استشهاده قضية الكفاح ضد الظلم في زمنه.
وفي لبنان يتمتع الشيعة للمرة الاولى في تاريخهم الحديث بواقع خال من اي ظلم ايا يكن شكله او نوعه. لا بل على العكس، فان القوة الضاربة في هذه الطائفة تحاول تكرارا وبلسان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ان تطمئن سائر الطوائف الى ان لا نية لديها ان تظلم مواطني هذا البلد انطلاقا من تفردها بامتلاك السلاح خارج امرة الدولة.
ومن هذه المفارقة التي تفصل ما بين المشهدين الايراني واللبناني فان الاهتمام الذي يمتزج بالقلق ينطلق مما ستؤول اليه الامور اذا ما حدث ما لا يسر حكام ايران هناك و"حزب الله" هنا.
بالطبع ليس السيد نصرالله معنيا بأن يشرح مليا ما دعا اليه في كلمته في الليلة التاسعة من عاشوراء من "هدنة في لبنان عمرها عام واحد" علما ان كلمة "هدنة" تحرك فورا انطباعا ان هناك حربا تدور وان المتحاربين يريدون وقفها موقتا عن طريق هدنة. لكن ما يفهم بوضوح من دعوة الامين العام لـ"حزب الله" ان موضوع سلاح الحزب يجب ان يخرج من السجال الذي تديره الجهات السياسية المتحفظة عن هذا السلاح. ولربما ان هذه الدعوة تستبق الكثير مما يثار في لبنان وخارجه حول تطورات في المنطقة ستنطلق مما سيحدث في شأن الملف النووي الايراني.
لو سلم جدلا بدعوة "الهدنة" التي يقترحها نصرالله ولم يعد احد من اللبنانيين يتكلم بعد اليوم عن سلاح "حزب الله" فهل هذا يعني ان سلاح الحزب لن يرتبط بما سيدور في ايران سواء أكان الأمر يتعلق بالملف النووي ام بمستقبل النظام هناك؟.
لا ضمان عند احد على هذا المستوى. العماد ميشال عون الذي يرتبط مع نصرالله بـ"مذكرة تفاهم" يقول: "اذا واجهت اسرائيل ايران وضربتها قد ينتظر "حزب الله" دوره وقد لا ينتظر ويطلق النار على اسرائيل قبل ان تطلق اسرائيل النار عليه".
اطلاق النار سياسيا الذي يستمر بغزارة على قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559 له ما يبرره في سوريا حيث النظام هناك تحت الرقابة الدولية في شأن تهريب السلاح الى جهات غير سياسية في لبنان. كما له تبريره عند "حزب الله" واتباعه في لبنان ما دام ان القرار يصنف الحزب ميليشيا ويدعو الى نزع سلاحها.
وفي المقابل فان الاكثرية الساحقة من اللبنانيين تتمنى لو ان القدرة العسكرية التي يتمتع بها "حزب الله" تصبح ملك الدولة دفاعا عن لبنان ضد اسرائيل اذا اعتدت وليس دفاعا عن ايران مهما كانت الاحوال.
ما يتمناه اكثرية اللبنانيين لن يتحقق. وهذا ما يريد نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم ان يقوله في كتابه الوثيقة "حزب الله" حيث يسأل: "هل يمكن عمليا تفكيك قضايا المنطقة بعضها عن البعض في هذا الزمن المعاصر، زمن العولمة؟!".
ماذا سيبقى ليقال لاحقا اذا ما عاد القادة اللبنانيون الى طاولة الحوار التي يستعد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى عقدها مجددا؟.
بناء على ما يقوله "حزب الله" في لبنان وما يدور في ايران من الاسهل فهم ما دار في 12 تشرين الاول عام 680 ميلادي يوم كربلاء من فهم ما يدور في عقول اهل هذا الزمان.