خطابات السيد حسن نصر الله: شهادات وفاء وتخوين وتهديد خشن وناعم!
هي سابقة أن يطلق أمين عام حزب الله ثلاثة خطابات متتالية، الفارق الزمني بين اثنين منها لم يتجاوز اثنتي عشرة ساعة لا أكثر، فهو عادة ما يخطب من ثلاث إلى أربع مرات على مدى أيام عاشوراء وفي أيام غير متوالية..لذا؛هذا أمر ملفتٌ جداً ففي حرب تموز لم يفعلها السيّد، فما الملحّ إلى هذا الحدّ لهذه الكثافة الخطابية؟ وأغرب ما وردَ في أحد خطابات السيّد دعوته "المسؤولين في لبنان إلى هدنة عمرها سنة"، والسيّد حسن يختار مفرداته بعناية وبالتأكيد هو واعٍ تماماً لاختياره هذه الكلمة فهو يريد "هدنة" مع اللبنانيين، والفرق بين التهدئة والهُدنة شاسع جداً، ففي لسان العرب "هدأ:سكنَ يكون في سكون الحركة والصوت… وغيرهما" أما "الهُدْنة والهِدَانة المصالحة بعد الحرب"، فهل يعتبر السيّد حزب الله في حالة حرب مع اللبنانيين، ولماذا "هدنة عام"، تحديد العام يؤكد أنه يريد "هدنة" لا تهدئة، وهذا الكلام جاء في خطابه في 25/12/2009!!
أما في 24/12/2009، فألقى السيّد محاضرة "طويلة عريضة" في فضائل "النظام والالتزام بالقانون و"شدد على ضرورة الالتزام بالقوانين المتعلقة بالنظام العام" وأكّد "أن عدم الالتزام بقوانين السير يضر المواطن وبالنظام العام". واستطرد السيّد حسن في وصف حسنات أننا "اليوم لدينا دولة ونظام وقانون ومجلس نيابي وحكومة (…) وردّ على ما أسماه "شبهة" ـ على اعتبار أنّ هذا الأمر باطل ومحوّل ـ فتحدّث عن "شبهة أن حزب الله وحركة أمل كانا منعا الدولة من الدخول إلى الضاحية، هذا كذب وافتراء وادعاء، فلطالما طالبنا الدولة بأن تدخل إلى الضاحية – بدليل ما كان يتلقّاه رجال الأمن الداخلي إن تجرؤوا ودخلوا – ولطالما طالبنا بأن يفرز لنا فصيلة أو فصيلتين من الدرك لتنظيم السير في الضاحية – على اعتبار أن الدولة دورها فقط تنظيم السّير – ولم نلق جواباً!! أما العجب العجاب في كلام السيّد حسن فهو قوله: "طالما طالبنا بمؤسسات وإدارات في الضاحية فما من مجيب، نحن من طالبنا الدولة بالدخول إلى الضاحية لكنها كانت مستنكفة – شوه الدولة الجقمة والوقحة التي تتخلى عن تنظيم شؤون مواطنيها – والحمد لله الآن الدولة قبلت بالدخول إلى الضاحية فأهلاً وسهلاً، والبعض كان يقول ببسط سلطة الدولة نقول أين المكان الذي لا تبسط فيه الدولة سلطتها، وكانوا يقولون إن هناك مربعات أمنية، أين هي هذه المربعات الأمنية الآن، فإسرائيل أنهت بالقصف المربعات الأمنية، إذن نحن اليوم أمام وضع جديد، والمطلوب أن نتعاون جميعاً"!!
لا يحتاج هذا الكلام إلى ردّ من أي جهة رسمية ولا سياسيّة ولا شعبية، فالردّ عليها جاء من "مربع حارة حريك الأمني" بعدما منعت القوى الأمنية طوال 20 ساعة من الوصول إلى مكان الانفجار الغامض حيث سقط اثنان من كوادر حماس، ولم يُسمح لها بدخوله إلا بعدما أخرِج منه شاحنة مغطاة وثلاث جرافات صغيرة ـ بحسب ما تداولته وسائل الإعلام ـ "قولكن شو كان فيه بهالشاحنة"؟ ربما نظام وأمن واستقرار…
وبعد أن تحدّت عن "النخبة" في زمن السيّد المسيح (عليه السلام) وعَبَرَ ألفيتين من الزمن ثمّ تحدّث عن الاحتباس الحراري ومؤامرة أميركا لإغراق دول وشعوب الأرض حتى وصل إلى تكلفة حروب أميركا، تحدّث عن "النخبة" في الداخل اللبناني، فاعتبر أنّ " مسؤولية النخب واضحة عن الحرب الأهليّة"، هكذا فجأة طار الوجود الفلسطيني المسلّح الذي استباح أرض الجنوب وقراه وبيوته قبل إسرائيل، وطار مخطط الوطن البديل، وطار أيضاً تزويد دول مثل ليبيا ودول المعسكر السوفياتي للفلسطينيين سلاح فاق سلاح الجيش اللبناني، وطار أيضاً الدخول السوري على خط الحرب اللبنانية، يومها كانت النخبة أول المعترضين على الحرب، ألا تسجل ذاكرتنا مثلاً اعتصام الإمام موسى الصدر وإضرابه عن الطعام احتجاجاً على الحرب؟! وأظهر السيّد ليلتها احتراماً شديداً للبنانيين الآخرين وللدستور والقوانين اللبنانية وحريّة التعبير وحرية ممارسة العمل والرأي السياسي، فهزأ بهؤلاء جمعياً قائلاً: "نحن دمنا بارد إلى أي حدّ تريدون"، وهزأ ساخراً من أقدم حزب لبناني فقال: "في تلك الليلة عندما سمعنا أن حزب الكتائب سوف يتقدم بطعن في المجلس الدستوري لم ننم الليل؟؟ ولم ينسَ سماحته تلك الليلة أن يوجه دعوة عصيان للقيادات والمرجعيات للمسلمين والمسيحيين قائلاً:" لا تسمعوا وبالحد الأدنى لا تطيعوهم ولا تتبعوهم" . هذا الأسلوب واضح أنه ليس خطاب حوار ولا نقاش فالكتائب تصرّفت بشكل ديموقراطي برلماني ولها الحقّ في ممارسة قناعاتها..
في ليلة 25/12، قدّم السيّد شهادته الخاصة في جمهور المقاومة ووزّع شهادات الوفاء والإباء والإخلاص وأكّد لهذا الجمهور: "انه عندما يدعونا الواجب الإلهي ومسؤوليتا تجاه الإسلام ومقدساتنا وأوطاننا نضحي بأرواحنا وكل من وما يمت إلينا بصلة"، حتى قلنا كان الله في عون جمهور المقاومة…وفي اليوم التالي وزّع السيّد تهم الخيانة والعمالة المبطنة على النخب والإعلاميين والسياسيين الذين يحذرون من عدوان إسرائيلي معتبراً أنهم يروّجون له، مع أن استعدادات الحرب قائمة على قدم وساق، ولبنان الرسمي تلقّى تحذيرات بأن التهديدات الإسرائيليّة جديّة جداً يوم أطلقت الصواريخ المجهولة من جنوب لبنان، فهل المطلوب منا أن نكون كـ"غنمة" نصم آذاننا عما يدور حولنا، أو كـ"نعامة" تدفن رأسها في الرّمل حتى لا ترى الخطر؟!
أما أخطر ما صرّح به السيّد حسن وصبيحة العاشر من محرّم وعادة خطبته هذه تكون رسالة سياسيّة مدروسة، ولا مجال فيها لأي التباس أو خطأ، فكان في رسالته إلى المسيحيين وإلى المسلمين وقصد بهم طبعاً أهل السُنّة، وفيما بدأ كلامه بدعوة المسيحيين إلى "نقاش هادئ حول الخيارات الحالية والمستقبلية"، فوجىء اللبنانيون واحتفالات الميلاد المجيد تظلّلهم بأمين عام حزب الله "يُهدّد" مسيحيي لبنان بمصير مسيحيي العراق!! ومهما كان التبرير في الدفع والمدافعة عن هذا المثل السيئ فخلاصته أنّه تهديد حقيقي بمصير من اثنين: القتل أو التهجير، ما لم يَأخذ مسيحيّو لبنان بالخيارات التي يريد السيّد حسن فرضها على لبنان وعليهم، ولم ينسَ أن يُخوّفهم بأنهم متروكون لمصيرهم في هذا الشرق ولا حماية لهم، متمثلاً بمسيحيي العراق وأنهم لم يستطيعوا الاحتفال هذا العام بعيد الميلاد المجيد، متجاهلاً الموقف الكريم الذي اتخذته الكنيسة العراقية عندما "أعلنت أنها لن تحيي احتفالات بذكرى الميلاد احتراماً لتزامنها مع ذكرى عاشوراء"، أظنّ أن السيّد لم يسمع بهذا الإعلان أو لم يقرأه، مع أنّه يقرأ كثيراً هذه الأيام كما قال لنا.. وطبعاً لم ينسَ "أهل السُنّة" فطمأنهم أن الوضع اليوم أفضل، وترك احتمال عودة الفتنة مفتوحاً… لا، يا سيّد حسن، سيبقى مسيحيّو لبنان يحتفلون بأعيادهم وسنظل نحتفل معهم وستبقى أجراسهم تقرع، لأننا في لبنان لا في العراق..
يا سيّد حسن؛ هذا ليس بكلام تهدئة، ولا بكلام من يريد حتى هدنة، وإذا كنت تعتبر أنك في حالة حرب مع اللبنانيين الذين ليسوا مع خيارك الغامض لمستقبلهم ومستقبل وطنهم، فهم لا يعتبرون أنهم في حالة حرب معكم، فهم لا يستخدمون إلا الكلمة والدعوة إلى حوار من أجل استراتيجية دفاعية، أنتم طلبتموها، لأن سواكم من اللبنانيين لا يريد سوى الدولة والشرعية وسلاح الجيش اللبناني على الأرض اللبنانية.