ملاحظات مسيحي على كلام السيد في عاشوراء
المحامي جورج ابو صعب
مع الاجلال والتقدير والاحترام للمناسبة الجلل المتمثلة بذكرى عاشوراء وتعاليمها المقدسة ومع الاحترام والتقدير لمشاعر الاخوة المسلمين الشيعة بهذه المناسبة ولمضمون كلمة امين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله خاصة في الشق الايماني كما في الشق الارشادي القومي المبدئي الذي لا تعليق لنا عليهما وان كنا نؤيد في المبدأ الكثير مما جاء فيهما من مواقف. الا اننا لا نستطيع الوقوف بدون التعليق على ما تناوله السيد حسن في معرض "نصائح" وجهها للمسيحيين اللبنانيين او كما قال "لبعض" المسيحيين وفقا للاتي:
اولا: ان اكثر من ازعجنا في كلام السيد وما يزعجنا عامة في ادبيات الخطاب السياسي لحزب الله تجاه المسيحيين – سواء المعلن او غير المعلن – هذا الجنوح باتجاه اعطاء المسيحيين دروسا في الوطنية ونصائح فيما هو الافضل لهم. وكأن المسيحيين في لبنان جالية اضافية من جاليات البدو والرحل لا تاريخ متجذر لهم في هذا الوطن ولا تاريخ نضالي واصيل ضارب في اعماق التاريخ اللبناني منذ 1500 سنة يوم كان لبنان القديم فكرة لم يبلورها بشهادة المؤرخين والشهود في تلك الحقبة الا المسيحيين، فيما سواهم كانوا خارج البلد وفي بقاع اخرى من لبنان. فالاسلوب المعتمد من طرف السيد حسن والقيادات في حزب الله يستشف منه وكأن المسيحيين جماعة ضالة متهورة لا تاريخ لها في هذا البلد وينبغي ان تخاف على نفسها من تهورها كي لا يحصل لها ما لا تحمد عقباه، او كأن المسيحيين قصار في قراءة التطورات والتاريخ واستشراق المستقبل. بينما في الحقيقة – ونقولها بمحبة – يبدو السيد حسن هو من اكثر الجاهلين في كلامه بحقيقة تاريخ واصالة ونضج المسيحيين في لبنان ومسيرتهم النضالية التي لم تستجد الحماية الا من الله اولا، ومن ثم من نساكهم في قنوبين واديرة وكنائس الجبال والمغاور والصخور، متكلين على ايمانهم بالحرية التي عشقوها حتى ثمالة الاستشهاد من اجلها، وعلى لاهوت الارض التي فلحوها حتى امتزجت بعرقهم ودمائهم حبات ترابها المقدس والمطهر.
فسماحة السيد نسي ان من تراب لبنان نبتت القداسة العالمية للمسيحيين عبر قديسيه مار شربل ومار نعمة الله الحرديني والقديسة رفقا والبطاركة الاوائل. وان من لبنان نشأت الرسالة المسيحية المشرقية التي قاومت الغزوات والاحتلالات وحافظت على الكيان السيد والحر والمستقل قي وقت كانت للطوائف الاخرى ملاذات اخرى في بقاع الشرق الفسيحة.
فليس لهؤلاء يوجه اليهم الكلام وكانهم جماعات ضالة لا تعرف طريق السواء والسبيل. وليس لهؤلاء يوجه اليهم النصح كيف يحافظوا على وجودهم في الشرق وهم من اعمدة الشرق ومن اسس قيامه سياسيا وثقافيا وتاريخيا.
ثانيا: ان ما يعتبره السيد حسن متغيرات دولية وحسابات مصالح، لم يصل بعد الى حد استسلام العالم للارادة السورية والايرانية، كي تبنى على الشيء استنتاجات متهورة وغير منطقية. فالى الان لم يعط العالم وخاصة الغرب والولايات المتحدة والعرب ايران وسوريا مفاتيح الشرق الاوسط، كي نتكلم عن متغيرات وتحولات وحسابات مصالح من النوع الذي يود السيد حسن ايهامنا به. بل ان كل ما جرى الى الان وما سيظل يجري لا يعدو عملية انفتاح محدودة في تبادلها، بدليل استمرار التأزم في الملف النووي الايراني وبدليل انفتاح السوريين على التفاوض مع اسرائيل. فالمتغيرات التي يقرأها السيد حسن لا تتناسب مع حقيقة ما هو حاصل على ارض الواقع، ان لم نقل باحسن الاحوال انها قراءة مجتزأة ومتسرعة في التوصيف. ويبدو ان هذه القراءة المتسرعة للمتغيرات وغير الواقعية في قسم منها تهدف الى اللعب على عنصر الثقة بالنفس لدى المسيحيين وتحديدا مسيحيو 14 اذار، الامر الذي لن يمر لمن يعرف تاريخ هؤلاء المسيحيين وتضحياتهم وتجذر أصالتهم الفكرية عبر التاريخ.
وفي مطلق الاحوال يجب ان يدرك سماحة السيد حسن انه ومهما تحولت المصالح الاقليمية والدولية فان المسيحيين اللبنانيين ابعد ما يكونون من النوع الذي يتأثر باي تحول او تغيير في الحسابات الخارجية. وهم الذين ناضلوا وقاوموا اعتى الامبراطوريات والقوى الاستعمارية عبر التاريخ متكلين على انفسهم وعلى الله ولم يحفلوا بدعم يأتيهم من هنا او مساندة من هناك. وبالتالي فاللعب على الثقة بالنفس وعلى التصميم الذاتي للمسيحيين في النضال من اجل ايمانهم بلبنان الذي يريدون لن يحبطهم ولن يثبط من عزائمهم ولن يثنيهم عن المتابعة والاستمرار والمثابرة في الصمود ونشر رسالة السيادة والحرية والاستقلال للوطن اللبناني.
ثالثا: لا ندري من اي منطلق يعتبر السيد حسن ان بعض المسيحيين ليسوا منفتحين كي يطالبهم وينصحهم بالانفتاح: فالانفتاح واقع وقرار ذاتي وتلقائي اخذه المسيحيون من كافة الاتجاهات السياسية ولا سيما مسيحيي 14 اذار يوم قبلوا بالتنازل عن نتائج الانتخابات النيابية التي أعطتهم الحق باحتكار الاكثرية الوزارية، ويوم قبلوا بتشكيل حكومة وحدة وطنية ومشاركة الجميع فيها، ويوم وافقوا على زيارة الرئيس سعد الحريري الى سوريا ودعموها وانبروا حتى من المنظرين لها. ونذكر السيد حسن بان الدكتور سمير جعجع في يوم الشهيد عام 2008 تقدم باسم القوات اللبنانية وكافة قياداتها السابقين والحاضرين عبر تاريخ الازمة اللبنانية منذ 1976 باعتذار عن الاخطاء، الامر الذي لم يفعله اي طرف سياسي اخر لم تقل اخطاؤه وارتكاباته اثناء الحرب عما قامت به القوات اللبنانية خاصة من حلفاء السيد حسن نفسه اليوم. وما فتئت القوات اللبنانية تؤكد كل يوم انها تعتبر نفسها منذ ذلك التاريخ في حالة مصالحة مع الجميع، فيما البعض يصر على استمرار استحضار اشباح الماضي والحرب لاستدراج القوات الى التشنجات السابقة والصدامات الماضية. كذلك حزب الكتائب اللبنانية الذي اعلن منذ البداية تبنيه لعملية الوحدة الوطنية وتشكيل حكومة اتحاد وطني، رغم المأخذ والملاحظات في التشكيلة الحكومية وفي اسلوب عمل حلفاء له في 14 اذار، وصولا الى منح مسيحيي 14 اذار حكومة الرئيس الحريري الثقة رغم تحفظهم على بند المقاومة في البيان الوزاري.
فاذا كانت كافة هذه المحاولات وسواها لا تكفي لاقناع السيد حسن بالانفتاح، فاننا نسأل ما المطلوب اكثر؟ فهل ممنوع على المسيحيين ان تكون لهم اراء معينة في موضوع السيادة والسلاح غير الشرعي، كي يكونوا بنظر السيد حسن منفتحين؟
حسبنا الا يكون السيد من الذين يعتبرون ان الانفتاح مرادف للاستسلام لشروط فريق من الفرقاء فيقيس الانفتاح والانغلاق على مدى خضوع او عدم خضوع فريق لبناني لمطالب واملاءات فريق اخر.
رابعا: جيد ان يصل السيد حسن في مقاربته عمل المسيحيين للبنان الى ما توصل اليه من ان مصلحة المسيحيين في لبنان هي في لبنان. وكأننا نرى السيد حسن يعود الى قناعات مسيحيي 14 اذار تحديدا ويقتنع بصوابية خطهم في 14 اذار بمناداتهم بقيام الدولة اللبنانية والعمل للبنان اولا. فصحيح ان الاولوية للبنان عند مسيحيي 14 اذار والصحيح ايضا ان هؤلاء لم يعملوا منذ بداية وجودهم السياسي الا للبنان الدولة وللبنان الوطن وقد اتهموا في فترة من الزمن بالانعزال والتصهين، لانهم قاتلوا قوى التوطين والوطن البديل عن فلسطين وسقط لهم من سقط من شهداء. فاذا بالسيد حسن اليوم وحلفائه في 8 اذار يرتجفون من التوطين ويدعون احتكار شرف محاربة التوطين وتثبيت حق العودة متناسين ان ثمة من سبقهم منذ سنوات وسنوات في هذا النضال. فنعم الاولوية للبنان عند المسيحيين وللبنان اولا واخرا، ولكننا نسأل السيد حسن هل ان الاولوية لدى الاخرين هي نفسها لبنان اولا؟
فلبنان اولا يتطلب لمن يعمل من اجله ان يعمل على قيام الدولة اللبنانية القوية القادرة السيدة والحرة والمستقلة وهذا ما يناضل من اجله مسيحيو 14 اذار تحديدا. فاين السيد حسن وحلفائه من هذا المشروع اليوم وهم يكافحون من اجل سلاح رديف لسلاح الدولة ومن اجل دولة ضمن الدولة ومن اجل قلب نظام دستوري ومن اجل تغيير المعادلات الداخلية وتغيير وجه لبنان السياسي والثقافي والحضاري؟
خامسا: وننهي بالاشارة الى ان المسيحيين او بعضهم كما يحدد السيد حسن لم يراهنوا يوما على الخارج ولكن قد يكون فعلا احيانا العكس هو الصحيح. فالدفاع عن لبنان عام 1975 لم ينتظر قرارا خارجيا في وقت كانت كل الامم القريبة والبعيدة ابعد ما تكون عن ارادة المحافظة على لبنان السيد والحر والمستقل، لبنان الرسالة الفريدة والعيش المشترك.
وانتفاضة الاستقلال عام 2005 لم تنتظر ضوءا اخضر من احد في الخارج بل جاءت انتفاضة شعبية عفوية بوجه الوصاية والاحتلال والاستعمار الشقيق. وثورة الارز لم تنتظر اشارة من الخارج لتنطلق بل جاءت كمبادرة شعبية ضد الظلم والاضطهاد والجور والتذويب.
فالصحيح ان الخارج قد يكون حاول الارتهان لارادة الداخل الاستقلالي في فترة ما، وقد يكون اراد استثمار الانتفاضة الاستقلالية وثورة الارز من اجل اهداف اقليمية وتتجاوز حدود الوطن اللبناني بعد ان اتحد لاول مرة المسيحي والمسلم من اجل لبنان اولا.
فالمسيحيون يوم استعانوا بسلاح اسرائيل انما تزودوا بهذا السلاح لان حلفاء حزب الله اليوم كانوا يريدون توطين الفلسطينيين وتذويب الكيان اللبناني في كيان فلسطيني بديل عن فلسطين حيث باتت طريق القدس تمر بجونية والاشرفية وعين الرمانة. وقد لجأوا الى اسرائيل لان العالم كله يومها اقفل ابواب المساعدة والمساندة امام المسيحيين اللبنانيين لان القرار الدولي لا بل كلمة السر الدولية كانت يومها باسقاط الدولة اللبنانية لاراحة اسرائيل التي يقاتل السيد حسن وجودها اليوم. وقد كان المسيحيون يسددون ثمن السلاح فيما سواهم كان يتلقاه مجانا وبمختلف العيارات الثقيلة والفتاكة ولا يزال الى اليوم فريق لبناني يتلقاه مجانا.
نعم ان الخارج راهن على المسيحيين وليس العكس، واذا كان للمسيحيين من شرف وشهادة حق للتاريخ فهي بانهم حموا ودافعوا عن وجود الدولة اللبنانية ودافعوا وحموا الديمقراطية اللبنانية التي ننعم بها اليوم – جميعنا – ووقفوا في زمن التخلي والانصياع والارتهان للمخططات والمؤامرات الكسنجرية سدا منيعا امام التوطين. فما فعله المسيحيون منذ عشرات السنوات استفاق عليه لبنانيو زمننا اليوم، هذا كي لا نعود اكثر الى الوراء في تاريخ الانجازات الوطنية الحاسمة ودروس الوطنية الاصيلة.
فاذا كان للمسيحيين اي دور بدفع اي كان للانتحار الا انهم وفي مطلق الاحوال قدموا للبنان عبر تاريخ 1500 سنة ما لم يقدمه اخرون من تضحيات وشهداء ومقاومات. فاذا كان كل ذلك انتحارا فمرحبا به في اي وقت فاننا كلنا في سبيل لبنان منتحرون…