أوقفت القوات الأمنية الإيرانية، فجر امس الثلاثاء، الصحافي ما شاء الله شمس الواعظين، بأمر من محكمة الثورة الإسلامية، وتناقلت الأخبار أن ستة أشخاص اقتحموا منزله حاول مقاومتهم فهم لا يحملون مذكرة اعتقال، واستسلم أخيراً للذهاب معهم.. كمشاهدين نعرف شمس الواعظين بسبب اسمه الفريد أولاً، ونعرفه كأحد أبرز المحللين الاستراتيجيين الإيرانيين، يطل علينا من طهران ومنذ الأحداث الأخيرة يأتينا صوته عبر الهاتف، خسرت إيران باعتقاله، لأننا كنا نختار الإصغاء لرأيه لأنه يأتينا من طهران، لا كمحلل معارض مقيم في الخارج.. هذا الرجل الوقور الموضوعي الهادئ الصوت والقراءة والذي أصبنا بصدمة لنبأ اعتقاله ليمثل أمام محكمة تحمل اسماً مركّباً شديد الغرابة: محكمة "الثورة الإسلامية"!! يستحقّ منّا ما شاء الله شمس الواعظين تحيّة، وأن نقول له: "يا ما شاء الله : قدّر الله وما شاء فعل"…
ما يحدث في إيران منذ انتخابات الصيف الماضي، لا يُقرأ إلا من ضمن سياق تاريخي لبداية نهاية الديكتاتوريات، وغالباً ما تبدأ الديكتاتوريّة على أنها ثورة، وعندما تتمكّن من الحكم تتحوّل إلى ديكتاتورية صغيرة تؤسس لنفسها، بل غالباً ما تستجرّ حروباً على شعوبها لتضع نفسها في موضع المستهدف دائماً، تحتاج الديكتاتوريات لتستمرّ إلى أعداء، وإن لم تجدهم تسعى لخلقهم من الهواء والوهم والخيال والاتهام والادّعاء.. لا يستمر الديكتاتور إلا بوجود عدوّ وهمي ويصبح هو كـ "دون كيشوت" يُحارب طواحين الهواء..
ثمة ازدواجيّة يعيشها النظام الإيراني الذي يخلخل الشعب الإيراني قوائم سلطويته ومخابراتيته وقمعه العنيف للشعب الإيراني، فإحراق صورة الخميني تلفزيونياً وبأسلوب مجهول وملتبس اعتبره النظام مسّاً بالمقدّسات، ونادى بالويل والثبور وعظائم الأمور، وفي نفس الوقت نُشاهد مجموعة من الباسيج تقتحم منزل الخميني أثناء إلقاء خاتمي خطاباً بمناسبة عاشوراء، وتعتدي على المشاركين، وبينهم أفراد من أسرة الخميني، ثمّ لا يعتبر النظام أن هذا السلوك مسّاً بالمقدّسات!!
كلّ شيء مباح، القتل والترهيب والاعتقال، وقتل المتظاهرين العُزّل رمياً بالرصاص، إنه التاريخ عندما يعيد نفسه، بعد ثلاثة عقود، هناك أجيال جديدة تنتفض لأن الزمن لم يعد كما كان في السبعينات، لم تعد "الشّعارات" التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع تستطيع أن تقاوم التكنولوجيا، ثمّ إن الحمقى وحدهم هم الذين يعتقدون أن ثورات الشعوب قد تقاوم..
غالباً؛ بالطريقة نفسها تُنازع الديكتاتوريّة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، بالقتل والاعتقال وقمع الشعب وكمّ الأفواه، ولا يُفضي القمع إلا إلى اشتعال أكبر للثورة، حتى تنفجر كليّاً فتنهار أمامها الديكتاتوريات كجبل من ورق، كلّ الديكتاتوريّات قمعت وقتلت واتهمت الذين انتفضوا عليها بالخيانة والعمالة، أساساً هذا "مرض الوهم" الذي يصيب كل ديكتاتور… فـ "بلا زغرة" الجنرال ميشال عون ـ وأقصى ما استطاع أن يحققه هو أن يكون نائباً ـ ادّعى في الانتخابات الماضية أن هناك "مؤامرة كونيّة" ضدّه، فما بالكم بدولة كإيران "متشودرة" بالإسلام عنواناً وبرئيسها ومرشدها، فبدلاً من تهمة الخيانة العظمى في الدول المدنية، التهمة في الدول الدينيّة كإيران هي "محاربة الله ورسوله"!!
يبدو أن الأفق الإيراني مسدود، وهو إلى مزيد من الاشتعال فلا الخامنئي مرشد الجمهورية ولا أحمدي نجاد الذي تسبب فرضه مجدداً على الشعب الإيراني قادران على الرجوع خطوة عن طريق سخرّ له "منظومة فقهيّة" طويلة عريضة لتنسج أساطير الظهور وتنيطها بهما، ولا الشعب الإيراني سيتراجع، فكلما ازداد القتل والترهيب زادت ثورات الشعوب اشتعالاً، وما بين الاثنين حتى الأصوات العاقلة عندما تصغي إلى دعواتها تتأكد أن الشعب الإيراني على حقّ، وأن ما نشهده لن يُفضي إلى أقل ما أفضت إليه الثورة على الشاه الديكتاتور عام 1979، هذا إن هدأت الأمور حتى شباط المقبل..
عندما يقرأ أي إنسان من خارج إيران ما اقترحه النائب علي مطهّري، نجل المفكر الراحل مرتضى مطهّري وصهر رئيس البرلمان علي لاريجاني، كعرض لحلّ الأزمة المتفاقمة والتي تتدحرج ككرة نار، يدرك أن الشعب الإيراني على حقّ، وهو مقترح يتألّف من 7 بنود تركز على : اعتراف زعماء الإصلاح بشرعية نجاد، على أن يعترف الأخير من جهته بأخطائه وأن يعتذر بسبب الاتهامات التي وجهها لهم خلال حملته الانتخابية، وأن يسمح نجاد للجميع بالتعبير عن آرائهم، وأن يلغي قرارات وقف نشر الصحف، وأن يتراجع المسؤولون الأمنيون عن اتهام الإصلاحيين بالقيام بـ"ثورة مخملية" بدعم من الخارج لإسقاط النظام، وإلغاء الحالة "البوليسية" المفروضة حالياً، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ومعاقبة المسؤولين عن اتتهاكات سجن كهريزك، وأن يقوم القضاء الذي يرأسه – قريب مطهري – صادق لاريجاني بوظيفته فيحاكم المتطرفين ممن يبثون الخلافات في البلاد… نكتشف ببساطة أن المطلوب من الإصلاحيين أمر واحد والمطلوب من نجاد ثمانية أمور ومن القضاء أمر واحد، ولا يسمح "جنون العظمة التمهيديّة الظهورية" لنجاد بتأديتها، أو أن يقوم بأمر واحد منها، فالرجل ينظر إلى نفسه نظرة مقدّسة، وقد ساعدته أصوات كثيرة على أن يصوّر له عقله أنه قادر – مدعوم إلهياً – على مواجهة العالم برمتّه لن يتوانى عن مواجهة الشعب الإيراني!! مرّ في تاريخ البشريّة ذات يوم ديكتاتورين جبارين الأول في بابل في زمن ابراهيم الخليل (عليه السلام) "النمرود بن كنعان" فبلغت به الجرأة حد بناء سلم ليطلّع إلى إله إبراهيم، ثم ألقى بالخليل في نار عظيمة…وسقطت ديكتاتورية النمرود وبقيت رسالة إبراهيم، ثم مرّ طاغية آخر هو فرعون موسى، فطغى وسأل الناس "ما علمت لكم من إله غيري"؟ وتجبّر فقال: "أنا ربّكم الأعلى"، إلى أن قضى غرقاً وشاهد الناس جثته ليتأكدوا من هلاك الجبارين…
كلّ الديكتاتوريات لابدّ لها من نهاية، حتى ولو أعلنت أنها تحكم بإرادة الله ورسوله، وقتلت شعوبها بحجة أنهم يحاربون الله ورسوله… أليست كل طغاة التاريخ الإسلامي كانت هذه تهمتهم المفضّلة للتخلّص من أعدائهم، ثمة إشكالية كبيرة عانى منها كل الذين حكموا باسم الله في الغرب والشرق في المسيحيّة والإسلام، كلّهم ادّعوا أنهم "ظلّ الله على الأرض"، ثم فجأة قفزوا من الظلّ وظنّوا طغياناً وتسلطاً من عند أنفسهم بأنهم "الله"!!.