#adsense

هل يؤيد “لبنان أولاً” مع بقائه خارج صراعات المحاور؟

حجم الخط

تعليقاً على دعوة نصر الله إلى "نقاش هادئ" حول الخيارات
هل يؤيد "لبنان أولاً" مع بقائه خارج صراعات المحاور؟

ترى جهات دينية وسياسية مراقبة، ولها قراءتها للمتغيرات والتحولات المحتملة محلياً واقليمياً ودولياً، ان تستجاب دعوة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله من أجل "نقاش هادئ حول الخيارات الحالية والمستقبلية والاستفادة من كل تجارب الماضي"، وقوله "إن مصلحة المسيحيين في لبنان هي في لبنان وليست في أي مكان آخر"…

إن هذه الدعوة هي في الحقيقة والواقع دعوة المسيحيين الدائمة الى شركائهم في لبنان منذ ما قبل الاستقلال وخلاله وبعده، وقولهم المكرر لجميع اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم ان ليس لهم وطن سوى لبنان والا يكون لهم ولاء إلا له، وكان هذا من أسباب الاختلاف في الرأي، وأن على من يؤمنون بشعار "لبنان أولاً" لا بل "وأخيراً" شعاراً حقيقياً وصادقاً أن يكونوا لبنانيين أولاً، لا أن يكونوا سوريين او سعوديين أو مصريين أو فرنسيين أو أميركيين أو ايرانيين كما هي حال بعضهم اليوم، وإن عليهم أن يعودوا الى شعار ميثاق 1943: "لا للشرق ولا للغرب" وهو شعار لم يطبق ويا للأسف تطبيقاً صحيحاً ولا احترم احتراماً تاماً، فما إن مضى وقت على نيل الاستقلال حتى عادت فئة لبنانية "تشرِّق" وفئة "تغرِّب" وتحول لبنان ساحة مفتوحة لصراعات المحاور العربية والاقليمية والدولية، فانقسم اللبنانيون بين مؤيد لهذا المحور ومناهض له، بعدما ظن كثيرون أن الساحة التي كانت مفتوحة قبل الاستقلال سوف تغلق بعده، إلا انه حصل العكس فانقسم اللبنانيون بين مؤيّد لفرنسا ومؤيد لبريطانيا، وبين مؤيد لـ"التيار الناصري" ومناهض له، وبين مؤيد للتنظيمات الفلسطينية المسلحة ومناهض لها الى حدّ الدخول في حروب عبثية مدمرة، وبين مرحب بدخول القوات السورية الى لبنان ومتصد لها، ثم أصبح من كان مرحباً بها يطالب بانسحابها الكامل، ومن تصدى لها صار يطالب ببقائها بسبب اختلاف الأهداف وتضارب المصالح.

وينقسم اللبنانيون اليوم بين من هو مع المحور السوري – الايراني ومن هو ضد المحور ومستعد للاستعانة بأي خارج كي ينتصر عليه…
وما دام الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله دعا المسيحيين لأن يكونوا للبنان وحده وقد كانوا دائماً له وليس لسواه، وان يتحاوروا في ما بينهم على ضوء قراءة للمتغيرات المحلية والاقليمية والدولية، فلماذا لم يدع المسلمين أيضاً الى ذلك. فلبنان ليس للمسيحيين وحدهم ولا للمسلمين وحدهم، بل هو لكل اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم ومذاهبهم.

وقد سرّ المسيحيين جداً قيام تكتل نيابي واسع بزعامة رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري وهو رئيس الحكومة الحالية، سمّي "تكتل لبنان أولاً"، لكنهم أسفوا عندما سمعوا أصواتاً ترتفع بانتقاد هذا الشعار واعطائه تفسيرات لا تنطبق على الحقيقة ولا مع أهدافه ومراميه، وكأن هؤلاء يريدون أن يبقى غيره أولاً ولبنان أخيراً وأن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات المحاور كما كان في الماضي وكما هو في الحاضر، وعسى ألاّ يبقى كذلك في المستقبل.

الواقع أن جميع اللبنانيين هم مع ترتيب العلاقات اللبنانية – السورية على قاعدة الأخوة الصحيحة والتعاون الصادق وليس على قاعدة الأخوة المزيفة والتعاون الخادع، وجميعهم يريدون تشابك الأيدي وتضافر الجهود لمعالجة مشكلات لبنان وشعبه على قاعدة أولويات الناس التي أعلنتها حكومة "الوحدة الوطنية" برئاسة سعد الحريري، ولكن ليس لتحقيق المصالح الذاتية على حساب مصالح الوطن والمواطن، وسوف تكون هذه الأولويات موضوع اختبار لهذه الحكومة، فإما أن تستحق صفة حكومة "الوحدة الوطنية" بانجازاتها وأعمالها الحسنة فتحظى عندئذ بثقة الشعب، وإما أنها لا تستحق هذه الصفة إذا تحولت حكومة متاريس وصراعات على الوظائف والمنافع والحصص.

وما دامت مصلحة المسيحيين في لبنان هي في لبنان وليست في أي مكان آخر على حدّ قول السيد نصر الله، وهم يعرفون ذلك، فإنهم يدعونه ومع من هم معه الى أن يكون موضوع "لبنان أولاً" على طاولة الحوار لدى انعقادها في القصر الجمهوري لاجراء نقاش هادئ حول الخيارات الحالية والمستقبلية والاستفادة من تجارب الماضي. وإذا كانت نتيجة رهان بعض المسيحيين على هذه الدولة أو تلك أوصلت لبنان الى ما هو عليه، فإن رهان بعض المسلمين أيضاً كان من أسبابه.

والسؤال المطروح هو: هل اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم، مستعدون لأن يجددوا العهد ويلتزموا شعار "لا تبعية لشرق ولا لغرب" وأن يكونوا للبنان وحده من دون سواه، لبنان الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل أراضيها، وألا تكون دولة سواها ولا سلطة إلا سلطتها ولا سلاح إلا سلاحها، وألا يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات المحلية والعربية والاقليمية والدولية؟ هل هم مستعدون لأن تكون معادلتهم الميثاقية الجديدة ليست "لا للشرق ولا للغرب" بل انفتاح على الشرق وعلى الغرب ترسيخاً لاستقلال لبنان وكيانه، وان يكون هذا شعار الجميع بصدق وإخلاص، وأساساً للوطنية الحقة، وركيزة الوحدة الوطنية الراسخة والعيش المشترك الثابت والدائم؟

ويقترح أصحاب هذا الرأي ان يكون موضوع مستقبل لبنان ولبنان المستقبل مطروحاً على طاولة الحوار لدى انعقادها في القصر الجمهوري ويكون هو الموضوع الأساسي، لأن لا دولة بدون وطن ولا وطن بدون دولة، وان يجري البحث في تحييد لبنان عن الصراعات والمحاور الاقليمية والدولية ترجمة لشعار: لا تبعية لشرق أو لغرب وان يصير اتفاق على الصيغة التي تجعل لبنان مركزاً لحوار الأديان والحضارات لتحصين سيادته واستقلاله وحريته، فلا يظل ساحة بل دولة، إذ لا جدوى من البحث في موضوع آخر مثل "الاستراتيجية الدفاعية" لأنها مضيعة للوقت خصوصاً إذا ظلّ "حزب الله" لا يقبل إلا بالتنسيق او التزاوج بين سلاحه وسلاح الدولة ويرفض وضع سلاحه بأمرة الدولة لتفادي استمرار الخلل في التوازن الداخلي والخوف منه والتخويف به، ولتجنب احتمال قيام عناصر يقال عنها "غير منضبطة" باستخدام سلاحها في غير زمانه ومكانه، فيتعكر صفو الأمن وتواجه البلاد خطر الفتنة. عدا أن أي استراتيجية يتم الاتفاق عليها، إذا لم تكن مشتركة مع سوريا لا بل مع الدول العربية المحيطة باسرائيل، فإنها تبقى استراتيجية لا فاعلية لها، إنما هي استراتيجية "تقطيع الوقت".

المصدر:
النهار

خبر عاجل