#adsense

توقعات للعام 2010

حجم الخط

توقعات للعام 2010


فيما تشارف سنة 2009 على النهاية، لا يمكن أن يفرح العالم العربي، ومعه لبنان، بأحداث السنة الماضية، وثمة أسباب وجيهة للخشية من ألا تكون السنة المقبلة أفضل، إذ تبشر سنة 2010 بأن تكون سنة قاسية وتفرض تحديات على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ويمكن تحديد ثلاثة أحداث مهمة في سنة 2009 رسمت، بشكل أو بآخر، البيئة غير المستقرة التي تعيشها المنطقة العربية، بما يشمل التداعيات المحتملة والانعكاسات السلبية لها في 2010.

الحدث الأول، هو تعثر مبادرة الرئيس الأميركي باراك أوباما لتسوية النزاعات في منطقة الشرق الأوسط، وإحياء عملية السلام على قاعدة وقف بناء المستوطنات واقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية. فأوباما بعد سنة على توليه رئاسة الولايات المتحدة الأميركية وبعدما علّق عليه العرب آمالاً عريضة لدفع عملية السلام وانتظروا منه قلب صفحة سَلَفه الكارثية على منطقتهم، اصطدم بأمرين: حسن النوايا العربية والتشدد الإسرائيلي، إلى كون مبادرته كانت تفتقر أصلاً إلى "خارطة طريق" تكون بمثابة آليات للتنفيذ.

الحدث الثاني، هو تمرد الحوثيين في اليمن، واعتداؤهم على سيادة الأراضي السعودية، ومن ثمّ تحول اليمن إلى مسرح جديد وناشط لعمليات "القاعدة".
أما الحدث الثالث، فالأزمة المالية الناتجة عن تعثر تسديد حكومة دبي ديونها المستحقة لعدد من المؤسسات المالية العالمية، كإحدى تبعات انهيار النظام المالي العالمي وتداعياته القاسية على اقتصادات المنطقة، بالتوازي مع الانخفاض في الطلب على النفط في مقابل توجه دولي يزداد اتساعاً للتوجه نحو اعتماد الطاقة البديلةAlternative energy لإنقاذ الأرض من مخاطر تغيرات المناخ، بما يعنيه ذلك من تقليص الاعتماد على النفط المستورد (بمعظمه من الدول العربية).

وكان ذلك بمثابة جرس إنذار بالنسبة إلى الاقتصادات العربية، بدءاً بالعراق ومروراً بدول الخليج ووصولاً إلى دول شمال أفريقيا.
وفي ما يأتي، بعض المسائل – التحديات التي يجب أن يضعها العرب نصب عيونهم كعناوين لاستمرار الأزمة الضاغطة في منطقة الشرق الأوسط:
دفع الولايات المتحدة إلى إجراء تغيير سريع وجدي في نظرتها إلى قضايا المنطقة، واعتماد سياسات أكثر توازناً في ما يتصل بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي والانسحاب من العراق.

تشجيع التجانس الطائفي والمصالحة الوطنية وإعادة إعمار البقع التي طالتها الحروب في العراق وغزة واليمن والصومال، من أجل سلامة العالم العربي الأوسع ومصلحته، ومنع تحوّل دول عربية إلى دول هشّة Fragile States، وتحول دول هشّة إلى دول فاشلة Failed States.
دعم مبادرة السلام العربية بالكامل (التي أُطلقت في قمة بيروت 2002) وحشد دعم دولي يساهم في إلزام إسرائيل بقبولها كخيار استراتيجي متوفر ومقبول دولياً.

السعي لجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، والدفع بهذا الاتجاه.
تكريس جهود أكبر لإدارة الموارد بشكل أفضل، بما يشمل موارد التعليم والتدريب وإصلاح الأوضاع الاجتماعية والتعليمية وخلق فرص عمل وغيرها.
تقديم أفكار جدية لإنشاء نظام أمن عربي فاعل، يضم الدول العربية الوازنة والمؤثرة، ويوازي في أهميته وتأثيره ما تتمتع به كل من إيران وتركيا وإسرائيل من مقدرات وإمكانات.

لكن في المقابل، لا توحي التوقعات بكثير من التفاؤل، إذ إن نظرة سريعة للعالم العربي تشير إلى الآتي:
استمرار البؤس كمحصلة طبيعية للاستبداد والتنكيل والتضييق على الحريات وسريان العمل بقوانين الطوارئ وخنق التعددية وانتهاك الحريات الفردية.
توسّع القاعدة الجماهيرية للتيارات الأصولية بمختلف اتجاهاتها، كأحد البدائل التي تستسيغها الجماهير كغياب التنمية وانسداد الأفق والعسف والقمع الرسمي، وباعتبار هذه التيارات تحمل مشروعيات، وإن كانت تلغي العقل والعمل وتمنع التفكير في مشاكل الحاضر وتحدّيات المستقبل، لكنها ترفع سيف القداسة وخوارق الأسطورة وتصدح بأدبيات فلسطين ومحاربة الامبريالية.

سيادة منطق الاحتكام إلى العنف بديلاً من منطق الحوار والتنافس الديموقراطي، وهو عنف متبادل تمارسه الأنظمة والجماعات المتطرفة بقاسم مشترك هو البعد عن فكرة التعاقد الاجتماعي، وانتفاء المشروعية وعدم الاكتراث بقيم الحق الإنساني.
فقدان الأمل بالتغيير وتحسين الأوضاع المعيشية والتنموية، معطوفاً على أنظمة تعليمية جامدة، وبطالة متزايدة، وهجرات للأدمغة.
بقاء فلسطين، النكبة والجرح والقضية والأسى، خبراً أولاً يكبر عاماً بعد عام، مع استمرار الجنوح الإسرائيلي إلى رفض السلام، ومعه كل القرارات والضغوط الدولية، فيما الفلسطينيون على انقسامهم الكبير حول سلطة لا وجود لها.

استمرار الانشقاق الكبير في اليمن، شمالاً وجنوباً، والمرتكز إلى موقف سلبي من النظام الذي يواجه كل حراك سياسي لا يتوافق معه، وعدم حرصه على الوحدة الوطنية، وعلى الاستئثار بمقدرات البلاد، بما يضع البلاد كلها، نظاماً ومؤسسات وتركيبات سياسية وعشائرية في عين العاصفة، ويهدد بتحول هذا البلد العربي إلى دولة فاشلة، فيما شعبه واقع بين حدّين: البؤس والتخلّف والفقر وجنون الموتورين، ومطامع المتسللين تحت عناوين وشعارات مذهبية وعاطفية.

استمرار حقيقة التقصير العربي الرسمي ممثلاً بضعف أو غياب أي دور لجامعة الدول العربية إزاء ما يجري في كل البقاع الساخنة على امتداد جغرافيا العالم العربي، من الصومال، إلى اليمن، فالعراق وفلسطين ولبنان.

بقاء إيران محاصرة بضغطين: داخلي يتمثل في الشرخ الآخذ بالتعمق منذ ما بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين المؤسسة الدينية والأمنية الحاكمة من جهة والحراك الإصلاحي بجمهوره المتزايد من جهة أخرى، وآخر خارجي على خلفية المفاوضات الصعبة التي تجريها طهران مع المجتمع الدولي حول برنامجها النووي، وهو حوار مفتوح على احتمالات شتى، بينها الصفقة الكبرى أو الاصطدام الكبير.

بقاء العرب، والمنطقة العربية، في صميم الرؤية الإيرانية الساعية إلى تفعيل اختراقها للإقليم من خلال تشجيع الأقليات الاجتماعية على إثارة الاضطراب، واتخاذها بعض بقعه الساخنة أوراقاً تفاوضية مع المجتمع الدولي.

أما في لبنان، بما هو مرآة لمحيطه ومتنفس له في آن، فليس ثمة من يدّعي معرفة مآلات التهدئة القائمة حالياً، لكن التحدي الحقيقي هو في تعزيز المواطنة وإطلاق عجلة الإنماء المتوازن وتعزيز القضاء والشفافية وخلق فرص العمل، وقبل كل ذلك وبعده النأي بهذا البلد عن أن يكون ساحة للآخرين ومصالحهم.

ثمة الكثير مما يجري في هذا الإقليم ويدفع العرب إلى التفكير ملياً في مجابهة تحديات وجودية بعيداً عن الرومانسية وحسن النوايا، كتحدي منع التدخل في شؤونهم الداخلية أو استغلال قضاياهم الكبرى في إطار الصفقات أو المزايدات، وتحدي ملء الفراغ الاستراتيجي الهائل في منطقتهم، وتحدي جعل المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وتحدي استعادة المبادرة في عملية السلام، وتحدي امتلاك آليات الضغط بوجوهها المختلفة من دون الاستمرار في تقديم التنازلات، وتحدي صون مصالحهم الوطنية والاستراتيجية على قاعدة المصلحة القومية والشراكة الفاعلة مع العالم.

هكذا تبدو ملامح سنة 2010، بمقدمات وأسباب تحيل "التوقعات" إلى ما يشبه "اليقين" القطعي، بأن أحوالنا، من المحيط إلى الخليج، مرشحة للاستمرار على بؤسها وضبابيتها لسنة إضافية أخرى .. قابلة للتجديد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل