كتب أيمن شروف في صحيفة "المستقبل": في 19 تشرين الأول الماضي، بادر رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع إلى جمع أحزاب ومستقلّي 14 آذار من المسيحيين، لبحث آخر التطورات والوضع الذي وصلت إليه قوى 14 آذار ككل.
حينها، مَن توجه إلى معراب كان يردد في قرارة نفسه: "كيف يمكن عقد اجتماعات وإصدار بيانات ترضي طموح جمهور ثورة الأرز بالتحديد؟". انتهى الاجتماع ليخرج من كان يطرح هذا التساؤل ليقول: "صدمنا سمير جعجع بمبادرة تضع النقاط على الحروف وتعيد رسم طريق السيادة التي أضاع بوصلتها البعض، وتؤكد على أن ما بدأ في العام 2005 لن يستطيع أن يلغيه أحد".
في ذلك الإجتماع، تم التأكيد على جملة من العناوين انطلاقاً من الدور المسيحي داخل قوى 14 آذار، وأهم هذه العناوين: "الشراكة المسيحية الإسلامية، التزام اتفاق الطائف، التأكيد على ثوابت 14 آذار، والتي وردت في كافة الوثائق التي تقدمت بها.
خلال الاجتماع، طرح جعجع على النائبين السابقين سمير فرنجية وفارس سعيد صياغة وثيقة سياسية تتناول ما طُرح من "ثوابت" فضلاً عن الدور المسيحي لبنانياً وعربياً، ونظرتهم إلى الواقع المعاش، بطريقة تسمح "لمن يقرأ المبادرة، أن يدرك ماذا يريد المسيحيون وبالتحديد المنضوون تحت راية 14 آذار، بشكل يؤسس لمرحلة جديدة في التعاطي السياسي، بعيداً عن تأويل من هنا أو هناك لمواقف مسيحيي ثورة الأرز"، يقول فرنجية.
بعد أكثر من شهرين على لقاء معراب، انتهى "محرّكا" الأمانة العامة لـ14 آذار من صياغة نص المبادرة، ويبدو "الارتياح" على واضعيها أمراً واقعاًً. سبب الراحة هذه لا يأتي من فراغ، إذ إن ما شهدته الساحة السياسية في الآونة الأخيرة وتحديداً بعد الانتخابات النيابية، جعلت "14 آذار" بتكوينها تبدو "مترهّلة" بعض الشيء ولا تستطيع مجاراة الأحداث، ليس لعجز منها بل لأن الظروف لاسيما الإقليمية حدّت من قدرة هذا الفريق على التحرك كما في السابق.
لكن اليوم، تعود هذه القوى من بوابة مسيحييها، لتطل على المشهد "نفسه" بطريقة مختلفة، فتُخرج 14 آذار من دوامة انتظار "جديد" سيحصل، لتكون سباقة في تقديم قراءة واقعية ترتكز على ثورة "المليونين" في العام 2005، والثوابت التى نادى وآمن بها اللبنانيون ولا يزالون، وتنطلق في رحلة تثبيت "الوجود المسيحي التاريخي في هذا الشرق وتفعيل لبننة العمل السياسي"، عبر تأكيد "موقع المسيحيين الجامع لكل الطوائف، والمنادي بالابتعاد عن كل ما من شأنه شقّ الصف الداخلي، والصف العربي"، في نظرة تعيد إلى الذاكرة مقولة: لبنان وطن الرسالة.
ويختصر منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق فارس سعيد المبادرة بأنها "التزام الثوابت التي أرستها ثورة الأرز، والعيش المشترك وبناء الدولة، والأهم أنها تؤكد على هوية المسيحيين العربية، وعدم الدخول بمحاور إسلامية إكسترا عن العالم العربي، وتعطي أهمية كبرى للتضامن الإسلامي المسيحي الذي يبقى الأساس في حماية الاستقلال، وتضع المسيحيين على طاولة المفاوضة السياسية كي لا يكونوا خارج إطار ما يحصل في المنطقة".
ولكن أيضاً، في المبادرة التي تطلق مطلع العام المقبل، تركيز على موضوع الحماية وهي تتوجه إلى جمهور ثورة الأرز لتغرقه في عملية إدراك دوره في هذه المسألة. يشرح فرنجية من جهته، ويقول: "في الحماية الخارجية، الكل يعلم أن العدو الأول للبنان هو اسرائيل، ولهذا من الأهمية التأكيد على أن حماية لبنان من خطرها يكون عبر تحييده عسكرياً عن صراعات المنطقة، وبالتالي الإسراع في تطبيق القرار 1701، وتضع الوثيقة هذا الأمر في خانة "المسألة المستعجلة"، فمصر والأردن ابتعدوا عن الصراع وسوريا تجهد لمباحثات سلام مع اسرائيل، لماذا علينا أن نبقى نحن في دائرة الصراع منفردين؟، يسأل فرنجية.
في الخطر الداخلي، أي الخوف من الفتن، تتحدث المبادرة عن كيفية حماية السلم الأهلي فلا يكون ذلك إلاّ "بالانطلاق من الطائف الذي يبقى الأساس في ضمان عدم العودة إلى ما سبقه، ومن ثم تطوير العمل على تأهيل المؤسسات الحكومية ورفع يد الطوائف عن سيادة الدولة، ورفع التوازن المؤسساتي بين لبنان وسوريا والتأكيد على انحسار العلاقة بين البلدين عبر المؤسسات"، كل هذه الخطوات توصل إلى نتيجة واحدة: قيام دولة مدنية، بحسب ما يقول عضو الأمانة العامة لـ14 آذار، الذي يرى في هذا الطرح خطوة متقدمة عن ما يسمّى "إلغاء الطائفية السياسية".
ورب سائل: لماذا هذه المبادرة "مقتصرة" على المسيحيين فقط؟
إجابة من طرح هذه المبادرة ومن وضع بنودها، تفضي إلى استنتاج مفاده أن كثيرين ركزوا على موضوع سلاح "حزب الله" ولاسيما البطريرك الماروني نصر الله صفير تستوجب حماية لموقفه وموقف آخرين كثر، في ظرف شديد التعقيد، إذ إن الشريك المسلم أي الرئيس سعد الحريري، أصبح اليوم على رأس السلطة التنفيذية، وبالتالي لم يعد هناك قدرة على "توسيع البيكار" كي لا يُحشر أحد ما.
بالعودة إلى تاريخ مضى، كان المسيحيون المحرك الأوّل والأبرز للحركة الاستقلالية، والمطالبة بالانسحاب السوري من لبنان وإنهاء النظام الأمني الذي كان متحكما بكل تفاصيل الحياة السياسية. بعد 14 شباط 2005 دخل الطرف المسلم إلى صلب هذه الحركة فتحققت الانجازات. باختصار، يبقى هامش التحرّك المسيحي أسهل من غيره، ولهذا تأتي المبادرة "مسيحية" بالشكل، وطنية بالغاية والمضمون.
وفيما ينصرف الجميع إلى وضع اللمسات الأخيرة على المبادرة، تبقى خطوط الاتصال مع حزب "الكتائب" مفتوحة، إذ إنه من الواضح أنهم لا يستطيعون أن يكونوا خارجها.
في المحصلّة، لن تكون المبادرة تجمعاً مسيحياً أو انفصالا عن 14 آذار، وهي ليست حالة انكفاء بل محاولة لتفعيل دور 14 آذار من جديد، فالمسيحيون يبحثون عن حالة جامعة وليس منغلقة، وهكذا مبادرة يحتاجها لبنان كلّما ترهلت الهمم وفترت الإرادات لتكون بمثابة "الخمائر" التي تنضج الحالات الوطنية.