الخلاف حول السلاح الفلسطيني أشعل حروباً والوجود السوري فجّر "انتفاضة"
الانقسام حول سلاح "حزب الله" إلى أين يذهب بلبنان ؟!
هل يعرّض السلاح خارج الدولة اللبنانيين لانقسام جديد والبلاد لخطر فتنة إذا لم يتم التوصل لدى انعقاد طاولة الحوار الى حل له؟
لقد واجه لبنان في الماضي مشكلة السلاح الفلسطيني عندما حوّل المخيمات ثكناً ومعسكرات وهذه المشكلة بدأت مع دخول أول دفعة من الفدائيين الفلسطينيين الى منطقة العرقوب، وقد سبب هذا الدخول خلافاً بين اعضاء الحكومة الرباعية في عهد الرئيس شارل حلو أدى الى استقالتها لأن رئيس الجمهورية، وكان لا يزال له حق التصويت على القرار الواجب اتخاذه لاخراج هؤلاء، امتنع عن ذلك عندما انقسمت اصوات الوزراء انقساماً طائفياً اذ صوّت رئيس الحكومة الدكتور عبد الله اليافي والوزير الحاج حسين العويني ضد قرار اخراجهم من المنطقة، فيما صوّت الوزيران بيار الجميل وريمون إده مع القرار لأنهما أبديا تخوفهما من انتشار الوجود الفلسطيني المسلح بحيث يصبح الاربعون فدائياً فلسطينياً الذين دخلوا منطقة العرقوب أربعة آلاف وأكثر…
ولأن الحكومات التي اعقبت استقالة الحكومة الرباعية تغاضت عن أول دخول فلسطيني مسلح الى لبنان ولم تتخذ قراراً حاسماً يواجه هذا الدخول، فقد بدأ الانتشار الفلسطيني في عدد من المناطق اللبنانية ولا سيما في الجنوب حيث كثافة اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات. ولم تمض سنوات حتى تحولت المخيمات في كل لبنان ثكناً ومعسكرات يقيم المسلحون فيها حواجز على الطرق لتفتيش المارة، الأمر الذي ادى الى صدامات مسلحة واشتباكات مع فئات لبنانية لا سيما منهم المسيحيون، وقد تسلحوا بدورهم فكانت حرب السنتين في لبنان التي ولّدت حروباً دامت 15 سنة لم تتوقف إلا بعد اقرار اتفاق الطائف الذي أجاز دخول قوات سورية اليه فأوقفت الاقتتال واخرجت الفلسطينيين المسلحين وعلى رأسهم ياسر عرفات من لبنان الى تونس…
ولم يحل "اتفاق القاهرة" رغم انه كان اتفاق إذعان دون تفادي نشوب حرب لبنانية – فلسطينية وقفت فيها فئة لبنانية ودول عربية مع المسلحين الفلسطينيين، الأمر الذي حال دون حسمها لمصلحة اي طرف وهو ما أدى الى اتخاذ قرار في قمة الرياض العربية بارسال "قوة ردع عربية" تحولت بعد وقت قصير قوة سورية صرفة فرضت وصاية على لبنان دامت ثلاثين عاماً…
والسؤال المطروح الآن هو: هل يمكن التوصل الى اتفاق يعالج وجود سلاح "حزب الله" ويحول بالتالي دون حصول صدامات داخلية أو دون اقدام اسرائيل على شن حرب قاسية على لبنان بدعوى ان سلاح "حزب الله" يهدد أمنها وينبغي التخلي عنه بأي وسيلة من الوسائل؟
وينقسم اللبنانيون اليوم مرة اخرى حول هذا السلاح كما انقسموا في الماضي حول سلاح الفلسطينيين في لبنان، فكانت حرب السنتين ثم حروب الآخرين على ارض لبنان ولم تتوقف، إلا بعد تكليف عربي ودولي وعدم ممانعة اسرائيلية، سوريا الدخول عسكرياً الى لبنان لوقف الاقتتال فيه واخراج المسلحين الفلسطينيين الى تونس، وقد دفع لبنان ثمن ذلك من سيادته واستقلاله وقراره الحر وصاية سورية عليه دامت 30 عاماً… فمن هي الدولة او الدول التي ستتولى معالجة موضوع سلاح "حزب الله" إذا تعذّر على اللبنانيين بالحوار او بأي وسيلة اخرى ايجاد حل له؟ وهل يكون بقاء هذا السلاح سبباً لحرب اسرائيلية على لبنان تدمر بنيته التحتية وتذهب بحالة الازدهار التي نعم بها أخيراً وقد يصعب عليه اعادة اعمار ما تكون قد دمرته حرب جديدة وهو لم ينته بعد من اعادة اعمار ما دمرته حرب تموز 2006؟
ان انقسام اللبنانيين حول سلاح "حزب الله"، كما انقسموا في الماضي حول السلاح الفلسطيني ولم يشكل اتفاق القاهرة حلاً له، ومن ثم حول الوجود العسكري السوري في لبنان بعدما استمر خلافاً لاتفاق الطائف، من شأنه ان يعرّض السلم الأهلي للخطر كما يعرّض لبنان لخطر عدوان اسرائيلي تردد أن موعده قد يكون خلال الربيع المقبل.
لذلك ينبغي ان يطرح هذا الموضوع الدقيق والحساس على طاولة الحوار التي ينبغي عقدها في القصر الجمهوري في أقرب وقت، علّه يتم التوصل الى اتفاق على صيغة من الصيغ التي تضبط استخدام هذا السلاح لئلا يبقى استخدامه مثيراً للخوف والهواجس لأن آثار استخدامه في بيروت وبعض الجبل لم تمحَ بعد من النفوس، وهذا ما جعل الامير طلال بن عبد العزيز يقول في حديث الى "النهار" "ان السيد حسن نصر الله قال ان هذا السلاح موجّه ضد اسرائيل، والآن صرنا نخاف من أن يوجه الى بيروت، وهم مصرون على بقائه وادراج ذلك حتى في البيان الوزاري. فما هي الضمانة؟ وكيف يطمئن "حزب الله" الآخرين الى ان هذا السلاح لن يستعمل إلا في وجه اسرائيل، سواء بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية او مع الجيش، وقد تكون عبارة "اتفاق" حلاً وسطاً اذ ليس هناك في العالم من سلاحين".
الى ذلك، فان المطلوب من المتحاورين لدى انعقاد طاولة الحوار، التوصل الى اتفاق على موضوع سلاح "حزب الله" هذا السلاح الذي لا خلاف على ان يكون لمقاومة اسرائيل والمساهمة مع قوات الدولة المسلحة في تحرير بقية الاراضي اللبنانية المحتلة، إنما الخلاف يكمن في التخوف من استخدامه في الداخل فلا يعود له عندئذ صفة السلاح المقاوم.
لقد اقترح الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله "التزاوج" بين سلاح الحزب وسلاح الدولة، واقترح الرئيس بري "التنسيق بين السلاحين" وهو ما قد يعتبره الطرف الآخر غير كاف اذ قد يجعل قرار استخدامه ملتبساً. لذا يخشى الطرف المعترض على بقاء السلاح بأمرة "حزب الله" ان يساء استخدامه ويطلب ان يوضع بأمرة السلطة اللبنانية، التي يشارك فيها "حزب الله" مع حلفائه من خلال حكومة الوحدة الوطنية، وأن أي قرار لن يصدر إلا بموافقة هذه الحكومة، او بالتوافق بين اعضائها.
وعندما يصبح سلاح "حزب الله" بأمرة السلطة اللبنانية، فإن قرار استخدامه في الزمان والمكان تتحمل مسؤولية اتخاذه السلطة نفسها وليس حزب بمفرده، ولا يحق لاسرائيل عندئذ ان تتذرع بوجود هذا السلاح خارج شرعية الدولة أو سلطتها لتعتدي على لبنان، بل تصبح هي المعتدية من دون اي مبرر، وعندها تقف الدول الشقيقة والصديقة مع لبنان ضد اسرائيل، في حين يحصل العكس اذا كان لبنان او "حزب الله" البادئ بالاعتداء او هو الذي يعطي لاسرائيل ذريعة للاعتداء عليه.