يقول بولس الرسول في رسالته الى العبرانيين (فصل 11): "سيضيق الكلام لو جئت أخبر عن دانيال وأرميا وشمعون ويوحنّا… أولئك الذين بالإيمان قهروا الممالك، ونالوا ما وعد به الله، وسدّوا أفواه الأسود، وأخمدوا حدّة النيران، ونجوا من حدّة السيوف، وتغلّبوا على الضعف، وصاروا أبطالاً في الحرب وهزموا جيوش الغرباء… واحتمل بعضهم التعذيب، ورفضوا النجاة في سبيل القيامة إلى حياة أفضل، وآخرون ذاقوا السخرية والجلد والقيود والسجن. رُجموا، نُشروا، وقُتلوا بحدّ السيف، وتشرّدوا لابسين جلود الغنم والماعز، محرومين، مضايَقين، مقهورين، تائهين في البراري والجبال والمغاور وكهوف الأرض… إننا لأجلك نُمات كلّ يوم، وقد حُسبنا كالغنم للذبح".
هؤلاء هم رهباننا وقدّيسونا وشهداؤنا الأوائل، وهذا هو تاريخ نضالنا لأجل البقاء الحرّ في هذه الأرض، وسيّد بكركي هو المؤتمن على هذا التاريخ الطويل من النضال، ولا صوت يعلو فوق صوت بكركي التي تهدينا إلى طريق الحقّ والحياة. لقد أسمعت بكركي صوتها على لسان غبطة أبينا البطريرك صفير يوم قال: "نحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف، في عهد الظلم والظلام، طوال مئات السنين، ليَسلم لنا الإيمان بالله وعبادتُه على طريقتنا، في هذه الجبال، وعلى هذه الشواطىء، ولتسلم لنا الحرّية التي إذا عُدمناها عُدمنا الحياة".
إنهم فعلاً مدعاةُ للصلاة على نيّتهم، هؤلاء الذين لم يقرأوا تاريخ وجودنا المسيحي الحرّ في الشرق عموماً وفي لبنان خصوصاً. إنّ بعضهم ويا للأسف لم يتسنَّ لهم قراءة هذا التاريخ نظراً لانشغالهم الدائم بالتخطيط والتفكير والعمل على إلغاء خصومهم، والبعض الآخر لم يتسنّ لهم قراءته لأنّهم فُطموا على ولاية الفقيه، ولم يحصلوا على التكليف الشرعي لقراءته بعد. أمّا البعض الثالث، فلم يتسنَّ لهم قراءته نظراً لانشغالهم برحلات الصيد، ومن الغريب أنّهم أصبحوا يوزّعون شهادات عماد بالمسيحية، فحبّذا لو يصرفون جزءاً من أيامهم الذهبية في زيارة بعض الأديرة في ذلك الوادي، أو على تلك التلال، أو داخل تلك المغاور والكهوف، ليقفوا ولو لمرّة واحدة أمام ملابس وأوعية راهبٍ أو قدّيس تفوح منها رائحة البخور والتاريخ، بعد أن اعتقدوا جهلاً منهم أنّها تعفّنت أو نالها الصدأ والغبار.
أمام هذا التاريخ وأمام ملابس الرهبان والقدّيسين، نقع أمام إشكالية مسيحية كبرى، يختلط فيها لدى بعضهم البخور والتاريخ بالعفن والصدأ والغبار، كما تختلط لديهم ويا للأسف جبّة بطاركتنا التي تفوح منها رائحة البخور بعباءة العماد مصطفى طلاس التي تفوح منها رائحة الوصاية والظلم.
إنّه لمن المحزن أن يكون بعض القادة المسيحيين ما زالوا يستمدّون مواقفهم من جلاّدٍ لا تزال مآسي حقبته ماثلةً أمام أعيننا حتى اليوم، لكنّه لمن المبكي أنّ هؤلاء القادة يجرّون معهم تضليلا ً شريحة من المسيحيين، وتحت شعار حماية المسيحيين، بحيث تصبح المعادلة الغريبة العجيبة أنّ قادةً مسيحيين لا يعرفون شيئاً عن تاريخ المسيحيين، ويدّعون مزايدةً حماية المسيحيين. كما أنّ معادلة ً مستهجنة أخرى طالعنا بها السيد حسن نصرالله، فيها ينصح المسيحيين ولأجل حمايتهم بالتخلّي عن الشريك المسلم الذي قال في 14 آذار لبنان أولاً، ويدعونا للتحالف مع ولاية الفقيه في إيران، كما مع الإستنابات القضائية في سوريا، وإلا ّ لاقينا حتفنا كما يجري للمسيحيين في العراق، أو عزلنا كأهل ذمّة كما كان يجري للمسيحيين أيام الإضطهاد. ويترك بعدها لحلفائه المسيحيين المتبصّرين والعالِمين ما هو "الغلط" وما هو "الصحّ"، مهمّة الدفاع عن هذه المعادلة في وسائل إعلامهم، وعلى ألسنة قادتهم ومثقفيهم، بالإدّعاء أنّهم العين المتبصّرة الساهرة على مصلحة المسيحيين. فماذا بقي لنا أن نقول لهؤلاء غير ما قاله الإنجيل المقدّس في الفصل السادس من إنجيل متّى: "سراج الجسد هو العين، فإن كانت عينك سليمة ً فجسدك كلّه يكون نيّراً، وإن كانت عينك مريضةً فجسدك كلّه مظلماً، فإن كان النور الذي فيك ظلاماً فيا له من ظلام".