#adsense

الأولوية الملحّة لتعيينات معيارها الكفاءة لا المحسوبية

حجم الخط

لأن إطلاق ورشة العمل يتطلب تفعيل الإدارات وتنشيطها
الأولوية الملحّة لتعيينات معيارها الكفاءة لا المحسوبية

هل تنطلق عجلة الحكم وورشة العمل مع مطلع السنة الجديدة عبر حكومة "الوحدة الوطنية" من دون معوّقات ولا مشاكسات فتثبت انها فعلاً لا قولاً حكومة وحدة موحدة وليست حكومات؟
وما هي المواضيع التي تعتبر ملحّة ومن الأولويات كي تنطلق منها في جلسات مجلس الوزراء المقبلة؟
ثمة من يدعو الى المباشرة بالمواضيع التي لا خلاف عليها ومن ثم الانتقال الى المواضيع المثيرة للخلاف لئلا ينعكس الخلاف على هذه المواضيع اذا ما بوشر بها على وحدة الحكومة وبالتالي على المواضيع التي لا خلاف عليها فتصبح مواضيع خلاف قد تفجرها.

وثمة من يرى خلاف ذلك، ويدعو الى المباشرة بالاصلاح الاداري من خلال تعيينات تملأ كل المراكز الشاغرة في ادارات الدولة ومؤسساتها واجراء حركة تشكيلات ومناقلات واسعة تضع الموظف المناسب في المكان المناسب بحسب كفايته وجدارته واختصاصه بعيداً من انتماءاته السياسية والمذهبية، لأنه ما لم تبدأ الحكومة بالاصلاح الإداري الذي يضع حداً للفساد ويعيد إلى الإدارات نشاطها وفعاليتها وذروة انتاجها، فلن يكون في استطاعتها مواكبة حركة الاصلاحات وورشة العمل ولاسيما الاقتصادية والمالية والانمائية في البلاد، وهي اصلاحات تحتاج الى وجود ادارات نشطة وفاعلة وشفافة وليس الى ادارات يعشش فيها الفساد وهي شبه مشلولة.

والتعيينات تشكل من جهة أخرى امتحاناً، ليس لوحدة الحكومة وتعاون اعضائها فحسب انما لمدى استعدادهم لتقديم مصلحة الوطن والمواطن على مصالحهم الذاتية، والكفاية على المحاصصة. ويمكن اعتماد آلية للتعيينات تحقق ذلك، وتقضي بان يقترح كل وزير في ما يتعلق بوزارته اسماء عدّة لكل وظيفة بعد الوقوف على رأي مجلس الخدمة المدنية. لئلا يكون بينها من لا تتوافر فيها الشروط العلمية، وكذلك الاخلاقية والمسلكية، فإما يصير توافق على اختيار اسم من هذه الاسماء وإما يصير التصويت لحسم الخلاف حولها. وعندها لا يعود يهم اجراء التعيينات دفعة واحدة او على دفعات، لأن الأهم هو اجراؤها بأسرع وقت ممكن لأن من دونها يصعب اجراء اصلاحات في المجالات الأخرى ولاسيما الأمنية والعسكرية، فينتهي تحقيق الأمن بالتراضي، والقضائية، لتحقيق استقلالية القضاء، فضلاً عن الاقتصادية والمالية والاجتماعية والانمائية.

لقد سمّت حكومة الرئيس السنيورة السابقة نفسها "حكومة الارادة الوطنية الجامعة"، لكنها عند التجربة لم تثبت ذلك بل اثبتت انها حكومة ارادات لا شيء يجمع بينها إلاّ المصالح الخاصة والمحاصصة والمكاسب السياسية، لذا تعذر عليها اجراء التعيينات حتى الضرورية والملحّة التي كان يتطلبها حسن سير الانتخابات النيابية، ولو لم يهدد الرئيس ميشال سليمان باللجوء الى مجلس النواب لحسم الخلاف في مجلس الوزراء على تعيين اعضاء المجلس الدستوري لما تمّ الاتفاق على تعيينهم.

والحكومة الحالية التي سمّت نفسها "حكومة الانماء والتطوير" هل تستطيع ان تكون كذلك اذا لم يكن على رأس كل وحدة ادارية وكل مديرية الشخص المناسب والكفؤ والنزيه كي تتحرك ادارته ومديريته بكل طاقتها لتعطي الانتاج المطلوب بكل شفافية؟ فمكافحة الفساد يبدأ برأس الهرم، فاذا كان هذا الرئيس نظيفاً ونزيهاً ومستقيماً انسحب ذلك على كل الموظفين، واذا كان فاسداً ومفسداً انسحب ذلك أيضاً عليهم.

لقد تعهدت الحكومة في بيانها الوزاري العمل على "تعزيز بناء مؤسسات الدولة وتجديد الثقة بها، وتخطي الانقسامات الطائفية والسياسية والتعبير عن ارادة مشتركة في السعي نحو الوفاق الوطني الحقيقي من خلال التضامن الوزاري مؤيَّداً من القوى السياسية الممثلة في الحكومة، وتعهدت الحكومة أيضاً بالتشدد في "وحدة الدولة وسلطتها ومرجعيتها الحصرية في كل القضايا المتصلة بالسياسة العامة للبلاد، بما يضمن الحفاظ على لبنان وحمايته وصون سيادته الوطنية ويكون هذا المبدأ ناظماً لتوجهاتها وقراراتها والتزاماتها مبادئ الدستور واحكامه ومضامين خطاب القسم وتوجهاته وقواعد النظام الديموقراطي والميثاق الوطني وتطبيق اتفاق الطائف"، واكدت الحكومة في بيانها "منع كل اشكال العبث بالسلم الأهلي والأمن من دون مساومة"، ويقتضي ذلك حصر السلطة الأمنية والعسكرية بيد الدولة بما يشكل ضماناً للحفاظ على صيغة العيش المشترك ومواصلة دعم القوى العسكرية والأمنية الشرعية وتوفير الامكانات لها بالعنصر البشري والتجهيز كي تقوم بحماية اللبنانيين ومواجهة الارهاب ودرء مخاطره والحفاظ على حريات المواطنين جميعاً وحقوقهم في الأمان ومكافحة أعمال الفوضى والاجرام والاتجار بالمخدرات وذلك حسب القوانين وتوجهات السلطة السياسية".

الواقع أن تنفيذ كل هذا وغيره من الالتزامات التي وردت في البيان الوزاري يصعب تنفيذه بواسطة ادارات شبه مشلولة، وتشكو من الترهل والروتين القاتل، ومن شغور فيها تبلغ نسبته 75 في المئة، منها 58 وظيفة شاغرة في الفئة الأولى من أصل 144 اضافة الى مشكلة المديرين العامين الموضوعين في التصرف منذ أكثر من 16 عاماً والى مشكلة تسيير معظم الادارات الرسمية بالتكليف أو بالوكالة.

لذلك ينبغي اعطاء الأولوية لملء الشواغر والاتفاق على إبعاد التعيينات عن المحاصصة السياسية واعتماد معيار واحد يرتكز الى الكفاية والخبرة والاختصاص مع الأخذ في الاعتبار المناصفة والتوزيع المذهبي المعروف، من دون ان تمرّ هذه التعيينات بقيادات سياسية أو حزبية أو مرجعيات روحية كي يصير في الامكان ابعاد السياسة عن الادارة، والادارة عن السياسة. فاذا لم تتوصل حكومة ما يسمى "الوحدة الوطنية" الى اتفاق على التعيينات، وهي ملحّة وضرورية، لإطلاق عجلة الحكم وورشة العمل بأقصى طاقتها، فان التصريحات والأحاديث التي صدرت عن أكثر من قيادي سياسي وحزبي وتؤكد تسهيل عمل الحكومة والاهتمام بأولويات الناس، تكون تصريحات للاستهلاك اذا لم تترجم على أرض الواقع"، والخلاف على التعيينات يؤدي ليس الى تأجيلها فحسب، بل الى مزيد من الشلل في الادارات وعجز مسبق عن تنفيذ ما تعهدت به الحكومة في بيانها الوزاري ولاسيما في المجالات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والانمائية، ويُفقد لبنان بالتالي المناعة التي ينبغي ان يتحصن بها لمواجهة شتى الاحتمالات والتطورات.

ان لدى مجلس الخدمة المدنية تقارير ودراسات كثيرة تتناول التدابير الاساسية والمبادئ المسلّمات لكل اصلاح اداري يمكن الرجوع اليها للأخذ بها أو ببعضها، وفيها:

1 – موظف واحد لعمل اداري محدّد ووضع الرجل المناسب للعمل المناسب.
2 – العلم والاختصاص والكفاية المادية والضمانات المعنوية مع تطبيق صارم لمبدأ الثواب والعقاب.
3 – أهمية الدوام في تأمين العمل المنتج وليس في تأمين الحضور الفارغ.
4 – تبسيط المعاملات وتسهيلها لخدمة المواطن بأقصر مدّة وأقل جهد ممكن.
5 – ملء الشواغر الادارية بعناصر فتية من الشباب الراغبين في الخدمة شرط ان يتميزوا بالكفاية المهنية والخلق السوي.
6 – اتخاذ تدبير بالنسبة الى المتعاقدين والمتعاملين والاجراء الذين يفوق عددهم كل نسبة معقولة.
7 – اجراء عملية مسح للوظائف واختصاصاتها وما تحتاج اليه من موظفين من أجل بناء ملاك جديد.
8 – تفعيل عمل ودور هيئات الرقابة، والحؤول دون تحويل الادارات العامة والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة الى إقطاعات يعمل كل منها في اطار انتمائة الحزبي والطائفي بما يؤمّن مصالحه الذاتية أو مصالح المجموعة الفئوية التي يمثل، فينعدم بهذا السلوك أي سياسة وطنية عليا للوظيفة العامة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل