طريق الهدنة والحوار لا تمرّ بالاتهام والتخوين
اهمية الحوار، وجهاً لوجه، حول طاولة في قصربعبدا، يترأسها رئيس الجمـهورية، ان الخـطـاب بـين الافرقاء المتحاورين، لا يخرج على ادب المخاطـبة، بل يلتزم بالهدوء والمرونة واحترام رأي الآخر، بعيداً من الفوقية والتورية، ودس السمّ في الدسم، واستـخدام كلمات ومفردات لا يمكن ان تقـال بين احـزاب وقيادات وشخصيات تتشارك في حكومة اطـلـقوا علـيها اسـم حكـومة الشـراكة او حـكومة الوحـدة الوطنية، والحقيقة انها حكومة الامر الواقع، والخوف من الفتنة، وحكومة تأخـير وقـوع المـشكل، واذا كان الحكم على النيّات يجافي الموضوعية، فان تعمّد تحميل بعـض المواقـف، التي اطـلقت مؤخـرا واثارت هذه الاجـواء المـتوترة في مـطلع السـنة الجـديدة، اكثر من وجه ومعنى وهدف ورسالة، يعتبر تفخيخاً مقصوداً لهذه المواقف، لتبقى مدار اخذ وردّ وتفسير وتفسير مضاد، فيغرق عندها البلد في موجة من المواقف السلبية الحادة التي تتعارض بدورها مع الخطوات والمبادرات التي اخذها رئيس الحكومة سعد الحريري، وقد يكون القصد منها وضعه في دائرة المساءلة عما يقوله اعضاء تكتله، وعن الخـطوات التـي قد يـلجأ الـيها حلفـاؤه فـي 14 آذار، وتحـمـيله مسـؤولية هذه وتلك خصوصاً وان المواقف الاخيرة التي صدرت عن «تكتل لبنان اولاً» وعن بعض نواب وقيادات في تيار المستقبل، والتي اكدت على عمق التحالف مع مسيحيي 14 آذار، ورفض اتهامهم ولو شظبشكل ضمني بالعمالة لاسرائيل والولايـات المتحـدة، وادانتهم حادث التفجير في الضاحية الجنوبية، ووجود السلاح خارج المخيمات، وخارج الدولة وقد قـوبلت هـذه المواقـف باستـهجان ورفـض من قبل نواب في تكتل 8 آذار، وتسـاؤل علـني عن موقف رئيس الحكومة سعد الحريري، خـصوصـاً وصـف بعضـهم خطـاب الـسيـد حـسن نصـرالـله الاخــير وخطب عدد من نواب حزب الله بانها «استعلائية».
من المفيد الاشارة في هذا المجال الى ان مسارعة النائب العمـاد ميـشال عـون الى تفسـير وتوضـيح ودعـم اي خطاب او موقف يصدر عن حلفائه داخل لبـنان او خارج لبنان، غالباً ما تكون اكثر اساءة واستفزازية، وهي تصّب الزيت على النار، وتوسّع الخرق، في حين ان المطلوب، في هذه الظروف التي يصفها دائما البطريرك الماروني نصرالله صفير «بالسـيئة والصـعبة» ان يـتقدم المنـطق والعـقل ومصلـحة الوطن، على العناد والعصبية والمصلحة الفئوية، اذا كان الهدف حقـيقة، هـو المسـاعـدة عـلى خـلق اجواء مستقّرة لتسهيل قيام الدولة، وفي هذا الصدد يشير قيادي في تكتل 14 آذار الى ان دعوة السيد حسن نصرالله الى قيام هدنة اعـلامـية لـمدة سـنة امر جيد وايجـابـي، لكـن مـن المفـترض ان يلـتـزم بـه نواب الحزب وقياديوّه وحلفاؤه اولاً، ويوقفوا استعمال لغة التجريح والفوقية والاتهام.
واذا كان المسيحيون يصرّون عـلى حـصر السـلاح فـي يـد الجـيش والقوى الامنية، فان موقفهم هذا ليس امراً طارئاً ومستجداً، وموّجهاً في شكل خاص ضد حزب الله حتى يتهموا بالعمالة لاسـرائـيل والـولايـات المتحـدة، بل هو موقف ثابت وقائم منذ قيام دولة لبـنـاـن، لان المسيحيـين يرفضـون ان يكونـوا تحـت حـكم احد الا حكم الدولة، وهم عنـدما حـملوا السـلاح في العام 1958 وفي بداية السبعينات من القرن الماضي، فلان الدولة تخاذلت وسقطت تحت ضغط التآمر وقوة السلاح الفلسطيني والعربي المتـدفق مـن كل حدب وصوب على لبنان، تحت ستار محاربة اسرائيل، وكلنا يذكر ان المرحوم ياسـر عرفـات لـم يخـف زهوه، وفخره بانه حكم لبنان – او جزءاً منه – لمدة سبع سنوات، والمسيحيون اليوم، كما في الماضي والمستقبل، يرفضون سلاح حزب الله لانه خارج الدولة، ويرحّبـون بـه ويفـاخـرون اذا دخـل فـي صــلبــها.
اما اذا كاـن الحـزب وقـوى اخـرى حلـيـفة تـرى ان مصلحة لبنان هي في بقاء الوضع على ما هو عليه اليوم، فان المسيحيين، حتى من هم في التيار الوطني الحر، وفريـقاً كبيراً جداً من اللبنانـيين الآخـرين، يرون ان سلامة لبنان واستقراره وبقاءه، تكون بالدولة القوية، صاحبة الحصرية في امتلاك السلاح، اما نبش القبور والكلام عن عمالة ورهانات خاطئة وانتحار، فهي مردودة شكلا واساساً، لانها لا تتضمن حيثيات صحيحة ومعلومات كاملة، واذا لم يفهم حزب الله بعد الحجم الكبير لمخزون الوطنية في صدور المسيحيين، والتعلّق الشديد بلبنان الحر السيد المستقل، فانه يكون قارئاً سيئاً لتاريخ لبنان، ولتاريخ الموارنة تحديداً.
يقول المثل «الانسان عدوّ ما يجهل» فكيف اذا اقترن هذا الجهل بمواقف وخطب معينة، من شأنها تحويل الجهل الى كره وعداء، سرعان ما يتحولان الى قنابل موقوتة بين ابناء الوطن الواحد.
وقديماً قيل «درهم وقاية خير من قنطار علاج» ووقاية البلد تكون بالحوار المنفتح والعقلاني، وليس بحوار الطرشان، او حوار الاذاعات والتلفزة المتفلّت من كل قيد او ضابط.