معنى أن تكون لبنانياً
لا شيء يدحض الزعم أن إلغاء الطائفية السياسية يهدف إلى تكريس الديموقراطية العددية، وأن حسن النيات الذي يبديه الرئيس نبيه بري يماري اطمئنانه وجمهوره إلى قطف ثمار إدعاء التجرد من المصلحة المذهبية.
في المقابل، لا شيء يؤكد الشكوك سوى التطبيق. لكن إذا صدقت هذه فسيكون الثمن باهظا: ستتكرس الانقسامات الطائفية، ويتحول الحوار الشفوي تراشقات نارية، وخصوصا أن أصحاب الظنون لا يبعدون سلاح الثنائية الشيعية عن المشهد اللاطائفي المزعوم عشقه.
في بداية الحرب اللبنانية، غنّت فيروز "بحبك يا لبنان" فردّ زياد الرحباني، إبنها، عليها بـ"وإذا كان… ما كلنا منحب لبنان". المشكلة ليست في أن نحب لبنان بل أي لبنان نحب، وماذا نريد منه وفيه.
الكل يريد، زعماً أو فعلاً، إلغاء الطائفية السياسية، لكنها لم تطرح مرة بإجماع المريدين، بل يختار كل من يبلغ لحظة قوة أو سيطرة أن يتبناها وهو يرى إلى نهاية الدرب سؤدداً له ولجماعته. أو هو يلوح بها ليضيف نقطة بيضاء الى سجل أسود من الطائفية والمذهبية عدا المناطقية والعشائرية، وليفاخر، في المناسبات، بعداوته المنحولة لمرض لبنان الأزلي.
لا يمكن أن تستوي الدعوة إلى إلغاء الطائفية السياسية مع الإنغماس في هذه القباحة اللبنانية في كل تفاصيل العمل العام. مثال ذلك الامتحان الآتي باسم تعيينات الفئة الأولى من موظفي القطاع العام: أشدّ المهلّلين لترنيمة الإلغاء، هو في طليعة المطالبين بالمحاصصة الطائفية، وتحتها المناطقية والعائلية.
لا يعفى من ذلك أيّ من القياديين، ولا سيما منهم رؤوس الاقطاعات الطائفية. من هلّل منهم، ومن اعترض، ومن صمت. فالطوائف هي حتى إشعار آخر، هويات اللبنانيين، منهم من يرفعها بيده ليعرّف عن نفسه، ومنهم من تُنبش له، من اسمه أو كنيته أو مكان سكنه، لتلصق على جبينه. البديل الوحيد هو الهوية الوطنية، أي ماهيّة أن يكون هذا او ذاك لبنانياً، ومعناه.
لو تساءل اللبنانيون ماذا يعني أن تكون لبنانياً، وما هي مكونات الهوية اللبنانية، هل كانوا اتفقوا على جواب موحّد؟. الطريق إلى إلغاء الطائفية السياسية يجب أن توصل إلى الدولة المدنية، بما يعني عكس الطائفية. وهذه لا تقوم إلا بهوية جامعة تحدد اللبنانية، بما هي قيم وتوجهات، وحاضر ورؤية.
في زمن سابق، كان البعض يرى لبنانيته في أن يرتبط لبنان بمصر عبد الناصر عربياً، وبفرنسا شارل ديغول دولياً، وكان بعض آخر مقابل يراها في مسايرة لبنان السعودية والولايات المتحدة الأميركية، ثم تقلّبت سوريا بين الجماعتين مع أميركا والاتحاد السوفياتي، إلى أن ولجت إيران البوابة اللبنانية من الممر السوري، وصار لها جمهورها في مقابل جمهور ينظر إليها بعين الريبة لدورها في الداخل والاقليم، فصنّف في خانة المجتمع الدولي الذي ينافرها في طموحها النووي.
تحديد الهوية أمر ليس في وسع السياسيين نقاشه. هو شأن المفكرين والمنظّرين والمثقفين الذين اعتادوا أن يروا إلى القضايا الأبعد من الآتي، وصنعتهم فلسفة الأمور والغرق في أبعادها.
لا اجتراح لعجيبة في ذلك. فرنسا الدولة التي تضرب جذورها في أعماق التاريخ، لم تردعها ثلاثية قيمها التاريخية التي يحسدها العالم عليها (حرية، مساواة، أخوّة) عن طرح السؤال: ماذا يعني أن تكون فرنسياً؟ فالعولمة هزّت الهويات، والعلمانية قد تعني رفض الأديان، كما قد تعني احترامها داخل حدود أدوارها، أما الوحدة الداخلية فصار السؤال عن حالها جائزاً أمام دفق المهاجرين، وفي أجواء مظاهر "غيتوية" لبعض فئات المجنسين، مما يجعل البحث ضرورياً لتعريف الوطن الفرنسي الذي رفض باستمرار أن يكون تراكم ثقافات وجاليات لا تواصل بينها.
هل يكفي النشيد الوطني الواحد، و"لحن" العيش المشترك، واللغة الواحدة، ولون البشرة شبه الموحد، عدا التبولة والكبّة النيّة، لتشكيل الهوية اللبنانية؟
بالطبع لا تكفي. ينقص التطلعات المستقبلية والقيم العامة، سياسية وثقافية، واجتماعية. هل من المقبول وطنياً أن يصفق جمهور من طائفة معينة لفريق كرة سلة أو كرة قدم يواجه الفريق الوطني اللبناني، لأن الآخر مصري أو سوري أو أرمني؟ وهل يجوز أن يهلل هذا السياسي أو ذاك لأن دولة تملي على لبنان موقفاً يناقض مصلحة اللبنانيين؟
لا يعاني لبنان، إلى الراهن من الزمن، بسبب مهاجرين تتسلّل مراكبهم عبر البحر، وإن كانوا يأتون بأعداد مقبولة عبر البر، فإن استيعابهم يبقي لهم صفة لاجئين غير قانونيين، بما لا يولّد مشكلة مجنّسين يحملون ثقافة مغايرة لـ"الثقافات" المقبولة في لبنان، كما حال فرنسا، التي تعاني مشكلة استيعابهم ومزجهم. لكن مدارس لبنان تخرّج طلاباً بثقافات متناقضة تحوجهم إلى عملية تمازج ثقافي مستدامة.
إلغاء الطائفية السياسية وصفة ناجحة لتأجيج الخلاف السياسي، لكنها تصبح علاجاً للانشقاق إذا اتفق اللبنانيون على معنى أن يكونوا لبنانيين.
بداية، هل يعترف اللبنانيون برجالات تاريخيين محددين يُرجعون إليهم الفضل في تأسيس الجمهورية؟ وهل يتفقون على رواية وقائع الاستقلال خارج اللقاء الطائفي في معركة راشيا وما سبقها وما لحق؟ وهل يتفقون على رواية واحدة لحوادث 1958 والحرب الساخنة عام 1975 والباردة منذ اتفاق الطائف الى اليوم؟