ذَكَر الجربيدي والكوْسَج!
صحيح أن الجربيدي من أنواع السمك المهدّدة بالانقراض بسبب سوء اساليب الصيد، ولا نعرف إلى ما قصد النائب وليد جنبلاط في موضوع التعيينات الادارية انه "حين يتصالح الكبار نصبح نحن كسمك الجربيدي، الذي يصطادونه في منطقة جلّ البحر" – وما أدراك ما جلّ البحر هذه الأيام – وبالطبع هو شعور طارئ على وليد بك أن ينتقل من المرحلة "الحوتيّة" إلى المرحلة "الجربيديّة"، وقد يكون السبب في هذا الشعور أن الرحلة الدمشقيّة كلّما قدّم تنازلاً ليقترب منها خطوة ابتعدَت عنه ميلاً، وآخر المطاف سيحطّ رحال "الاعتذارات" أمام سيئ الذّكر إميل لحود، عندها وما لم تتمّ الزيارة – ونشكّ في ذلك – كل الخوف أن نسمع بعد المرحلة "الجربيديّة" بالمرحلة "السردينية"!!
ولا يستهونن أحد بـ"الجربيدي" فهو من أنواع السمك التي تحتوي على كميات كبيرة من "اليود"، خصوصاً "ذكر الجربيدي"، والجربيدي أنواع فمنه الرَّملي، والذَّكر والبُحلق.. وأحدث ما سمعه اللبنانيّون عن التعيينات الإداريّة وصفها بالـ"مجزرة"، وتشبيه الرؤوس الثلاثة في هذا البلد بـ"السمك الكبير" – وبلا مؤاخذة من الشّعب – فهم إمّا حيتان وإمّا "كواسج" (الكَوْسَج: سمك القرش)، أما الحلفاء السّابقين أو الحاليين أو اللاحقين أو المحتملين أو غير المحتملين، فهم "يا دلّي عليهم" ليسوا أكثر من جربيدي صغير عند الشّاطئ… "وَلَوْ…. اتركوا دور لغيركن"!!
أمّا أطرف ما في هذا التشبيه – المطابق فعلياً لعمليّة التعيينات الإداريّة – أنّه يتزامن هذه الأيام مع حالة عفّة ونزاهة و"تشريف نفس" كأننا في واحد من دول العالم الأوّل، وليس في لبنان بلد المحاصصة و"المناصصة" بين المسؤولين، و"المقاصصة" للشّعب، فجأة "طبلوا" آذان اللبنانيين بالحديث عن الكفاءات، وبالطبع الشّعب اللبناني "الحربوق" بات يعرف معنى الحديث عن تعيين "الكفاءات"، كفاكم الله "الكفاءات" الطائفيّة في هذا الوطن ذو الطبيعة السمكيّة، الذي يأكل فيه السّمك الكبير، الشعب الصغير، والذي يتواضع فيه "الجربيدي" كما في مواسم التضحيات الانتخابيّة..
ذات يوم من العام 1893 وصلت إلى شمال لبنان، 12 بارجة حربية من أسطول الامبراطوريّة البريطانية ودخل ميناء طرابلس صفان من البوارج يتباعدان 1200 ياردة، وتقدمت الصفّ الأول البارجة "فيكتوريا" – وهي أكبر بارجة حربية في عصرها، طولها 110 أمتار – وتقدّمت الصفّ الثاني المدمرة "كامبرداون"، وفي عملية استعراض "بوارجي"، وكان على البارجتين أن تلتفا للمناورة في مسافة قصيرة، فوقع إشكال في تنفيذ الأوامر من القيادة العليا وسط اعتراض ضباط القيادة الذين رضخوا للأوامر العسكرية، فصدمت "كامبرداون" زميلتها "فكتوريا" وأحدثت فيها ثقباً كبيراً تدفّقت المياه فيه بقوة كافية لإغراق البارجة العملاقة وعلى متنها 358 بحّاراً، وتحدّث التاريخ عن أهميتها في التاريخ البحري البريطاني، فعندما غرقت كان الأمر "كارثة وطنية للامبراطورية البريطانية التي لم تكن تتوقّع غرق أهم بارجة لديها في العالم ولم يستغرق غرقها سوى 13 دقيقة"، أما البارجة فيكتوريا ففي حطامها تربّى بكثرة سمك "الجربيدي".
يبدو أن لا خيار للبنانيين بين "الكواسج" و"الجرابيد" سوى اعتزال "البحر وموجاتو والطير وغنياتو والصياد وسمكاتو"، فحتى "سمك البزرة" في بلادنا اعتاد على أكل "الكافيار"، وقد كتب سيشرون في القرن الأول قبل الميلاد واصفاً الحفش بأنه: "سمك لا يناسب إلا قلة مختارة من الأطباق".
ومن بيض سمك الحفش تحديداً يتكون الكافيار، ويعتقد البعض أن الإغريق كانوا يأكلون هذا السمك قبل قرون من اكتشاف الفرس والترك له، وتحدّث الرحّالة الإغريق الأوائل عن نوعين من سمك الحفش في أسواق الإسكندرية، أما في الحقبة الرومانية فكان لحم الحفش لا يقدم إلا في الولائم كطبق خاص، وقد احتفل الرومان بهزيمتهم لقرطاجة بتقديمهم لحم الحفش في وليمة صاخبة، والكافيار وصل إلى أوروبا من إيران عبر تركيا كما دخل اللغة الإنكليزية من كلمة "خافيار" التركية أواخر القرن السادس عشر، أمّا كبار اللغويين في القرن العشرين فيعتقدون أن أصل الكلمة إيراني وتحديداً من كلمة "تشاف – جار" الفارسية والتي تعني بالعربية "كعك القوة".
ووردّ أول ذكر صريح للكافيار في العصور الوسطى وتحديداً في القرن الثالث عشر في روسيا، عندما استولى المغول بزعامة باتو خان، حفيد جنكيز خان، على موسكو عام 1240 بعدما أحرقوها، وأعد الروس لاستقبال حاكمهم الجديد وليمة عامرة، بين أطباقها سمكة حفش كاملة مشوية، وكان الطبق الختامي الذي قدمه الفلاحون الروس لإظهار احترامهم له مربى تفاح ساخن فوقه بطارخ حفش مملحة، فقرفت يلدز الشهيرة بقصرها شعرت من زنخة الكافيار الساخن، أمّا باتو خان، فيبدو أنه أعجب جداً بمذاقه لدرجة أنه احتفظ بوصفة تحضيره في مذكراته.
وظهرت كلمة كافيار في أعمال شكسبير كان الكافيار رمزاً لذوق النخبة حيث يقول في مسرحية هاملت:"المسرحية، كما أتذكر، لم تعجب الملايين، كانت كالكافيار عند العامة"، في لبنان حالنا في موضوع التعيينات الإدارية كحال طعم الكافيار عند العامّة في مسرحية هاملت، فالجربيدي "أطيب" آكلاً كان أم "أكولاً"!