#adsense

العونيون مسيحيون ينتحرون!! (الحلقة العاشرة)

حجم الخط

الحلقة العاشرة وأخــيرًا نـجــحت سـوريـا يوم 13 تشرين الأول 1990 (الجزء الأوّل)

لم يتعب السوريون في محاولاتهم الحثيثة لإحكام السيطرة على لبنان، وهم يسعون منذ نشوء الجمهورية العربية السورية، أي بعد أن توحدّت هذه البقعة المسماة سوريا، أن تضمّ لبنان الى محافظاتها، وهي وإن لم تنجح، إنما منهجيتها السياسية تؤشِّر الى النوايا السورية تجاه لبنان. ومخطئ من يظنّ انّ سوريا تبدّلت، والطمع السوري ليس وليدة القرن العشرين، ولا هو بدأ مع نظام الحزب الحاكم أي حزب البعث العربي الاشتراكي، ولم تبدأ النوايا السورية مع الأسد الأب والواضح أنها لن تنتهي بعد الأسد الإبن. وقد بات الحكم في سوريا يتصرّف مع لبنان من باب أن جزءا من شعبه ينتمي الى المنظومة السورية، وهذا كان مع الطوائف الإسلامية بشكل عام، بينما المسيحي اللبناني كان عاصيًا على السوريين. والسوري تمكّن من تطويع الشارع السنّي بالتحديد بالحديد والنار، وعبر التصفيات للعديد من الرموز الدينية والزمنية، حيث كانت أجهزة الإستخبارات العسكرية السورية تخطط وتنفّذ وفي ظروف دقيقة تدفع ببعض العناصر المسلّحة اللبنانية للتنفيذ.

وإذا كانت الشرقية عاصية على السوريين، إنما هذا لم يمنع النظام الجار من القيام بمحاولات لإحداث الخرق ولضرب وحدة الشرقية عبر زرع عملاء داخل المجتمع المسيحي. ومن هؤلاء مَن كانت عمالته ظاهرة، ومنهم مَن كان خفيّـًا، الى أن وصلنا الى مرحلة الثمانينات حتّى تمكّن السوريون من إعداد الخطّة للدخول الى العمق المسيحي. وهذا المسعى ـ الحلم سوف يُصار الى تحقيقه بواسطة شخصية عسكرية مارونية طامعة وطامحة بالمراكز والمناصب. فكان أن بدأت الخطّة لكي يتولّـى هذا الرجل مناصب حسّاسة بتدخلّ سوري مباشر، وبإرادة شخصية من الرئيس حافظ الأسد.

ولأنّ السوري يعلم أن قوّة الشرعية اللبنانية تمثلـّت دائمًا بالعصَب المسيحي، وهذه الشرعية كانت تتمثّل بالرئاسة الأولى وبقيادة الجيش وبالقضاء، و… ببكركي التي ومنذ أن وجدت الجمهورية السياسية في لبنان كانت المظلّة والمرجعية التي أمنّت وتؤمّن الغطاء الوطني لكلّ الحالات السيادية التي عرفها لبنان منذ زمن العثمانيين وحتى اليوم.

ولأنّ السوري يعرف تمامًا دور البطريركية المارونية خصوصا على مستوى المحافظة على التوازن الشعبي والطائفي، وما كان لهذه المرجعية من دور ريادي تاريخي في العام 1920 إبّان انعقاد مؤتمر الصلح في مدينة فرساي، كما، والدور الذي لعبه البطريرك الماروني في استعادة الأقضية الأربعة المسلوخة عن لبنان والتي كانت بمعظمها تضمّ أكثرية إسلامية. لذا كان القرار السوري الدائم عند كلّ مفارقة إحداثه لفراغ دستوري وهو ما سوف يتكرّر مع الزمن. وهكذا يتسنّى لهذا النظام من الضغط على الفئة المتعلقة بالشرعية لكي ترضخ حينًا وتتنازل أحيانًا أخرى. وإلاّ التخريب الداخلي عن طريق تأليب فئات على أخرى حيث يلجأ مرة الى التحريض الطائفي ومرة أخرى الى تحريك المنظمات الفدائية الفلسطينية. واليوم يلعب ورقة حزب الله الذي أخذ على عاتقه تحويل لبنان الى ساحة دائمة للقتال وتصدير الأفكار الراديكالية التي ولّى عهدها منذ السبعينيات.

الـفـراغ الدسـتـوري إحـدى وسـائـل التـخـريـب الـسـياسي المـعتـمَدة مـن قـبل الـسوري

اذًا كما أسلفت، أنّ إحداث الفراغ في المؤسسات الدستورية الشرعية اللبنانية كان خطة محكمة اعتمدها ولا يزال يعتمدها السوري في إبقاء لبنان ساحة مشتعلة ليتسنّى له متى سمحت الظروف التدخل بصفته الإطفائي المولج حماية الحقوق المهضومة في لبنان.

والهدف من وراء اغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي يأتي في السياق المتمادي لفراغ السلطة الدستورية في لبنان، ولا مناص من التذكير بأنّ الضغط السوري مورس بشكل لافت على كرامي لكي يقاطع رئيس الجمهورية وبالتالي الامتناع عن حضور جلسات مجلس الوزراء.

اضطر الرئيس التالي لحكومة لبنان الدكتور سليم الحص الامتثال للتعليمات السورية الرامية الى المقاطعة والاعتكاف وعدم التعاون مع رئيس البلاد، وهذا يضرب عصفورين بحجرٍ واحد. فمن ناحية يكون الحكم في لبنان مشلولًا، والمؤسسات غير ذي فعالية، ومن ناحية أخرى اتساع الهوة بين الفريقين اللبنانيين لكي يتباعدا أكثر فأكثر، والمقصود ترسيخ صورة الحرب اللبنانية وإظهار خلافات الشعب على أنها حرب أهلية، بين المسيحيين والمسلمين.

لم تؤدِ حركة الحص التي كانت تأخذ أشكالًا متنوعة، الى الغايات التي أعدّت من أجلها. فتارة يقاطع الرئيس وطورًا يمتنع عن توقيع بعض المراسيم وفي أحيان أخرى يتفرّد بقرارات يتخذها من مكان تواجده أي في المنطقة الغربية حيث السيطرة السورية المباشرة وإحكام المخابرات سطوتها على كلّ مفاصل الحياة السياسية والأمنية، ناهيك عن زرعها لحالة الرعب والإرهاب بين الأهالي والتي بين الفينة والفينة كانت تذيّـل سيطرتها باغتيال شخصية من هنا واخرى من هناك.

اذًا، كيف السبيل لنقل السلطة التنفيذية كاملةً الى يدي الرئيس الحص؟؟

كان هناك احتماليْن:

الأول يقضي باغتيال رئيس الجمهورية، وهكذا تصبح الشرعية الدستورية والقانونية بين يدي رئيس الحكومة سليم الحص الخاضع للهيمنة السورية.
امّا الاحتمال الثاني، فقضى بانتظار اقتراب موعد نهاية ولاية الرئيس الجميّل، حيث لا يمكن ولا يجوز بأيّ شكل من الأشكال أن يبقى رئيس الجمهورية في بعبدا لحظة واحدة بعد انتهاء ولايته الدستورية، وبالتالي تنتقل الشرعية الى الحص. وهكذا يُطبِق النظام السوري على مقدرّات البلاد ويحكم لبنان بأكمله بشكل مباشر ومن دون أيّ عناء يُذكَر.

وبالفعل جرت محاولة فاشلة لتصفية الرئيس من خلال وضع متفجرة داخل إحدى الطائرات التي كان سيستقلّها في رحلة الى احدى عواصم الدول العربية. ولكن تمّ اكتشاف المؤامرة والتي كانت ترمي الى تفجير قمرة القيادة وهكذا تسقط الطائرة وينتهي كلّ شيء، وقد كان ذلك بتاريخ 13 شباط 1987 .

وعند فشل هذه الخطة، قرّر النظام الجار الشقي الانتظار حتى انتهاء ولاية الرئيس، عندها يلجأ الى كلّ الوسائل المعتادة من قبله وبالتالي يحول دون إجراء انتخابات رئاسية. ولأن لا فراغ في الحكم، لا بدّ من إحلال البديل القانوني، والبديل هو سليم الحص. وهكذا يتمكّن النظام السوري من وضع يده على لبنان من دون أيّ اعتراضات وعوائق دستورية تُذكَر، فهو كما دفع بقيادات المنطقة الغربية على وقْع الحروب والمجازر والمعارك التي افتعلها كي تتمناه لكي يُدخل جيشه من جديد الى بيروت، سيكون بامكانه نسج سيناريو مماثل ليدفع بالترهيب رأس الحكم الشرعي كي يتقدّم بمثل هذا الطلب.

أرجـحـيـتان كـانتـا وراء تـسمـيـة ميـشال عـون رئيـسـًا للـحـكـومـة الانـتـقـالـيـة

تمكّن السوري من منع انتخاب رئيس للبلاد قبل انتهاء ولاية الرئيس امين الجميّل، وهو حاول سابقًا تمرير الرئيس سليمان فرنجية كمرّشح سوريا بشكل علني وواضح، ولكن تعاون ووحدة قيادات المنطقة الشرقية منعتا هذا التعيين. وقد تجلّـى التنسيق بين القوات اللبنانية وقائد الجيش العماد ميشال عون بأبهى حلـله لمنع هذا التعيين. ومن هنا يتبدّى لنا مصلحة عون بعدم انتخاب رئيس غيره للجمهورية اللبنانية، بمعنى، هو لم يساهم بمنع وصول فرنجية من أجل المصلحة العامة، ولا رفضًا للإرادة السورية، انما لكون شخص سواه سيعتلي كرسي الرئاسة، على الرغم وكما ذكرت سابقًا، من أن السوريون همسوا في أذنيْ عون خلال إحدى زياراته العلنية لسوريا من أنه سيكون الخلف للرئيس الجميّل.


ميشال عون برفقة علي اصلان القائد الفعلي للجيش كونه علويا وكان مقرّبًـا من الرئيس حافظ الاسد وبدا خلفهما ميشال سماحة.

لا ندري لماذا سمّى حافظ الأسد مرّشحه للرئاسة وهو النائب مخايل الضاهر أمام ضيفه الدبلوماسي الأميركي ريتشارد مورفي الذي كان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية بحضور السفير الأميركي في بيروت جون كيلي. وهكذا نتج عن تلك الجلسة العبارة الشهيرة <<إمّـا مخايل الضاهر وإمّا الفوضى>>. كما لا ندري الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تسمية رئيس الجمهورية قائد الجيش مع أعضاء المجلس العسكري لتولّي الحكومة الانتقالية قبل دقائق من انتهاء ولاية الرئيس!!

أمّا لماذا لم يصدق السوريون مع ميشال عون، ولماذا لم يدفعوا باتجاه تعيينه رئيسًا للجمهورية؟؟ فهذا سؤال ستتبيّن خلفياته بعد سنوات من التطورات في العلاقة الثنائية بين الطرفين. هذه العلاقة التي استطاع عون من إخفائها لسنوات طويلة، والتي سادها التناقض بحيث شهدت مثلًا تلك الرسالة الشهيرة التي بعث بها عون لحافظ الأسد والتي تمنى فيها عون << أن يعتبره القائد الكبير حافظ الأسد جنديًا صغيرًا في جيشه …>> وصولًا الى كلام عون إبّان حرب التحرير والذي قال فيه << انه يريد أن يكسّر رأس حافظ الأسد … >>.

وبالفعل قبل عشرين دقيقة من انتهاء الولاية الدستورية التي كان موعدها تمام الساعة الثانية عشرة من منتصف ليل 23/9/ 1988 ، صدر المرسوم رقم 5387 على الشكل الاتي:

<< بناء على المرسوم رقم 3936 تاريخ 1/6/1987 تسمية دولة الرئيس الدكتور سليم الحص رئيسًا بالوكالة للحكومة المستقيلة لتأمين تصريف الأعمال ريثما يتم تأليف حكومة جديدة.

رئيس الجمهورية يرسم ما يأتي:

المادة الأولى: عيّن العماد ميشال عون رئيسًا لمجلس الوزراء ويحتفظ برتبته العسكرية في الجيش.
المادة الثانية: ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة ويعمل به فور صدوره.
وصدر المرسوم 5388 عن رئيس الجمهورية.
بناء على الدستور لا سيما المادة 53
بناء على المرسوم رقم 5387 تاريخ 22/9/1988 المتضمن تعيين العماد ميشال عون رئيسًا لمجلس الوزراء
بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء يرسم ما يأتي:
ــ المادة الأولى: عين السادة : العماد ميشال عون رئيسا لمجلس الوزراء وزيرًا للدفاع الوطني والإعلام.
ــ العقيد عصام ابو جمرة نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، ووزيرًا للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية وللإسكان والتعاونيات وللإقتصاد والتجارة.
ــ اللواء محمود طي ابو ضرغم: وزيرًا للأشغال العامة والنقل والسياحة والعمل.
ــ العميد ادغار معلوف: وزيرا" للمالية وللصحة والشؤون الاجتماعية والصناعية والنفط.
ــ العميد نبيل قريطم: وزير الخارجية والتربية الوطنية والفنون الجميلة وللداخلية.
ــ العقيد لطفي جابر: وزيرًا للموارد المائية والكهربائية وللزراعة وللعدل.
المادة الثانية: يحتفظ السادة الوزراء العميد ادغار معلوف والعقيد عصام ابو جمرة والعقيد لطفي جابر برتبهم العسكرية.
المادة الثالثة: ينشر هذا المرسوم ويبلغ حيث تدعو الحاجة ويعمل فور صدوره >>.

والتحليل المنطقي يدفعنا الى المعادلة الاتية:

الشيخ أمين الجميّل وهو على الرغم من عقده لأثني عشر اجتماع قمة رئاسية في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد، وعلى الرغم من الشوائب الكثيرة التي اعترت عهده، الاّ أنّ الجميّل المسيحي الماروني الكتائبي ابن بيار الجميّل وشقيق بشير الجميّل لن يجرؤ على تقديم لبنان الى سوريا هكذا ببساطة ما بعدها بساطة وعلى طبق من فضة، أقدم على تطبيق ما ينص عليه الدستور والأعراف، خاصة بعدما سُدّت كلّ الأبواب بوجه رئيس الجمهورية ، بحيث أنه لجأ في اللحظات الأخيرة الى تعيين عون والمجلس العسكري على أساس أنها ستكون حكومة انتقالية مؤقتة مهمتها تأمين الأجواء الملائمة لاجراء انتخبات رئاسية. ولكن من الواضح أن هدف عون منذ الأساس كان القبض على السلطة وعدم تقديم أيّ مساعدة لانتخابات رئاسية ما لم يكن هو الرئيس المنتظر، والاّ ستشهدون أيها اللبنانيون، سقوط الهيكل على رؤوسكم جميعًا، وسوف يدفع المسيحيون الثمن الأغلى في تاريخهم المعاصر، وسوف يدخل الجيش السوري الى الشرقية والى القصر الجمهوري ووزارة الدفاع لأول مرة في تاريخ لبنان.

اذًا ، كان الرئيس الجميل أمام خيار من اثنين: إمّا الفراغ وبالتالي السماح للحص لكي يتسلم الحكم وهذا يعني السماح لسوريا لكي تُحكم قبضتها على كامل الجمهورية اللبنانية، وإمّا تكليف عون بالحكومة الانتقالية. فكان الخيار الثاني على الرغم من ان الجميل كان على بيّنة من جموح قائد الجيش وطموحاته التي لا حدود لها، وهي تكشفّت خلال توليه لقيادة الجيش، والتي لم يتمكّن الجميل في محطات كثيرة من إقالة عون من منصبه بضغط سوري مباشر.

في الحلقة المقبلة : وأخــيرا" نـجــحت سـوريـا يوم 13 تشرين الأول 1990 (الجزء الثاني)

لقراءة باقي الأجزاء:          

المصدر:
كتاب

خبر عاجل