نقمة الانفجار ونعمة الحقيقة
المحامي جورج ابو صعب
ما شهدته الايام القليلة الماضية من مواقف واحداث انطلقت من قيادة حزب الله واستهدفت مربع حزب الله الامني، اقل ما يقال عنها انها شكلت مفارقة في المشهد اللبناني طرحت اكثر من علامة استفهام حول المضمون والمغذى والرسائل التي تتضمنها. سواء تصاريح امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله او متفجرة حارة حريك او اكتشاف مخابئ اسلحة جديدة في الجنوب من قبل القوات الدولية والجيش اللبناني، تجعل الاسبوع اسبوع حزب الله وانزلاقاته السياسية والامنية بامتياز، والتي نود تسجيل ملاحظات واستنتاجات حيالها وفقا للاتي:
اولا: لم نعد نفهم ماذا يريد حزب الله من المسيحيين في 14 اذار تحديدا: فلا هو يرضى بتقوية الدولة اللبنانية بدليل اصراره على الاحتفاظ بسلاحه غير الشرعي وبمربعاته الامنية المقفلة بوجه الدولة واجهزتها الامنية والقضائية. ولا هو يريد الفدرالية واللامركزية الموسعة سياسيا (مع انه فعليا انما يمارسها في مناطق مربعاته الامنية لا بل دويلته امنا وقضاء وسياسة واجتماعا واقتصادا وتعليما وتربية وسواها من مجالات…) ولا هو يريد الحياد الايجابي للبنان عن الصراعات الاقليمية والدولية. وهو يدعي انه مع تطبيق الطائف في العلن ولكن في الواقع يسعى جاهدا الى تعديل الطائف وتغيير النظام اللبناني برمته. ومع ذلك يوبخ المسيحيين او بعضهم بانهم لا يملكون للاستهلاك السياسي الا سيرة سلاح الحزب ليستمروا بالوجود والكلام وباستعمال لسانهم كما جاء في كلام النائب رعد بالامس.
نفهم ان يكون استيعاب الحزب لحجم الاعتراض والرفض اللبنانيين لسلاحه يفقده الكثير من توازنه السياسي ومن رباطة جأشه احيانا كثيرة. ولكن ما لا نفهمه ان يستمر الحزب في صم اذنيه عن ما يقوله الاخر ويستمر في غيه وتعنته في مواقفه غير ابه بما يطالب به القسم الاخر من اللبنانيين الشركاء له في الوطن معتمدا اسلوب "العنزة ولو طارت"، بحيث ان مثل هذا الاسلوب سيؤدي – اذا ما استمر لا محال – الى تفجير الوضع الداخلي مجددا والى حالة من انعدام الاستقرار السياسي في البلاد.
فكأن بالحزب اتخذ قرارا استراتيجيا بالمضي في سياسته ولو خربت البصرة كاملة. ما يدفعنا الى التساؤل عن مصلحة الحزب في خراب لبنان وسقوط مشروع الدولة القوية والقادرة والسيدة والحرة والمستقلة؟
لا بل وكأن الحزب اتخذ قرارا بفرض نفسه بقوة السلاح والنص في البيان الوزاري غصبا عن كل لبناني وعن كامل لبنان. فالحزب الذي يتسلح اليوم بالبيان الوزاري في خطابه السياسي للرد على منتقديه ينسى او يتناسى ان البيان الوزاري نفسه احال موضوع السلاح الى طاولة الحوار باعتباره موضوعا خلافيا بين اللبنانيين. وبالتالي لا نفهم سر انزعاج الحزب وقياداته من الكلام المستمر عن سلاحه ودوره الوطني واسترتيجية الدفاع، طالما انه ارتضى بنفسه استمرار الحوار حول السلاح على طاولة الحوار.
فحزب الله مدعو اليوم وغدا وكل يوم الى تفهم حقيقة وطنية مرة ربما عليه ولكنها حقيقة: وهي ان ثمة قسما كبيرا من اللبنانيين لم تعد لهم اي ثقة بسلاحه ولم يعد لهم اي رغبة باحتفاظ الحزب به بعد كل ما حصل من تجاوزات توجت ولا تزال جاسم تتويجها في 7 ايار المشؤوم… فالحزب مدعو اذا اراد العيش في شراكة وطنية وفي اقتسام الحكم كما اراد في الدوحة وكما يقصده هو وحلفائه "بالديمقراطية التوافقية" ان يبدأ هو بتطبيق تلك الشعرات التي اطلقها والتي اراد اقناع الرأي العام بها بدءا بالقبول بمناقشة السلاح وبالتحاور حول السلاح تمهيدا لايجاد حلول وليس مجرد تسويات موقتة ومؤجلة للانفجار الكبير.
ثانيا: ان انفجار حارة حريك الاخير منذ يومين كشف المستور وفضح حقيقة مزدوجة:
الاولى: بوجود تحالف حقيقي بين حزب الله في لبنان وحركة حماس الفلسطينية وتجاوز هذا التحالف مرحلة ارسال مقاتلين وسلاح ومؤن او مساعدات "انسانية" عبر انفاق حدودية مصرية او داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة لتتحول الى احتضان لوجستي كامل للحركة في احياء منطقة المربع الامني الحزب اللهي في ضاحية بيروت الجنوبية.
الثانية: اختراق الحزام الامني الحزب اللهي اختراقا خطيرا ومخيفا في ظل غياب تام لاجهزة الدولة اللبنانية والقضاء الفاعل واجهزة الامن الملتزمة كليا بالوضع في الضاحية لا بل اصلا غياب القانون اللبناني الرسمي.
وفي مطلق الاحوال فان متفجرة حارة حريك وملابساتها الاعلامية والسياسية والامنية ان دلت على شيء فانها أكدت على حقائق ليس اقلها:
1 حالة غياب الدولة اللبنانية باجهزتها الرسمية من امنية وقضائية عن المربع الامني في الضاحية الجنوبية. فهذا الامر بات شواذا لا يطاق والحزب رغم كل هذا هو من يقول انه مع الدولة ومع تقوية الدولة ومساعدتها على بسط سلطتها على كامل التراب الوطني. فلا نفهم الى متى هذه الازدواجية في المواقف وهذه الازدواجية في التعاطي مع موضوع بحجم خطورة بناء الدولة وبسط سلطتها.
2 حالة الانفلاش الفلسطيني خارج المخيمات: وليس فقط من خلال القواعد العسكرية الفلسطينية المنتشرة في مناطق لبنانية معينة بل وايضا من خلال اماكن تواجد المراكز الفلسطينية كمراكز لحماس على غرار المركز في حارة حريك. فالمتفجرة هي التي سمحت لنا بمعرفة ان ثمة وجود لحماس في الضاحية، فما الذي يؤكد لنا او ينفي ان يكون مثل هذا الوجود في اكثر من منطقة ومربع واللبنانيون لا يعلمون…
فبالاضافة الى ضرورة معالجة حكومة الوحدة الوطنية لملف الوجود الفلسطيني المسلح خارج المخيمات والتي صدر فيه قرار من ما سمي "بهيئة للحوار الوطني" لم ينفذ الى الان، فاننا ندعو الحكومة اليوم الى التصدي لملف تواجد مراكز فلسطينية سياسية او عسكرية او مخابراتية اخرى من خارج المخيمات. اذ بتنا بعد متفجرة حارة حريك مرتابين من الوجود غير الشرعي المسلح وغير المرخص لمراكز فلسطينية خارج المخيمات ضمن المناطق اللبنانية. فعلى الحكومة ان تتحمل مسؤولياتها وتتخذ القرارات التي تفرض نفسها في منع مثل هذا الانفلاش الفلسطيني السياسي خارج المخيمات فورا وتفتح تحقيقا بظروق وكيفية وصول "حماس" الى الضاحية الجنوبية من بيروت لتوافي الرأي العام بنتائج التحقيقات وبالحقائق كما هي من دون مواربة ومن دون لفلفة للموضوع تحت اي ستار وأي حجة او مبرر.
3 حالة التنسيق القائمة بين حزب الله وحماس: فاحتضان مراكز لحماس في عمق الضاحية الجنوبية والمربع الامني لحزب الله ليس صدفة ولا مناسبة عابرة، بل ثمة علاقة مباشرة بين الطرفين باتت بائنة تمام الوضوح. وهذه العلاقة التي تشمل التنسيق الامني والسياسي والمخابراتي لم نعد نستغربها كما اننا لن نعد نستغرب ان تكون سيناريوهات اطلاق الصواريخ الغامضة من جنوب لبنان نتيجة مباشرة لمثل هذا التنسيق والاحتضان بظل توزيع للادوار بين الطرفين، بموجبه يتكتم الحزب عن الجهة المطلقة كون هذه الجهة موجودة في عمق مناطق نفوذ الحزب ولا سبيل لاحد للولوج اليها واكتشاف تورطها في عمليات ميدانية بتغطية من الحزب في مقابل اطلاق يد حماس في مثل هذه العمليات النوعية.
4 حالة استفراد الحزب بسياسة خارجية واقليمية بعيدة عن اي تنسيق مع الدولة وسياستها الخارجية: فالعلاقات بين حزب الله وحماس ليست علاقات داخل لبناني مع داخل لبناني اخر بل هي علاقات تتجاوز الحدود اللبنانية الى عمق ما يحصل في فلسطين المحتلة، من خلال توحد الحركات النضالية والمقاومة لاسرائيل في دول الجوار. وبالتالي فان وثيقة الحزب التي اطلقت مؤخرا جسدت، ما تكشف عنه انفجار حارة حريك، هذا البعد الخارجي لفكر وسياسة حزب الله المقاومة من خلال ربط نفسه وبالتالي ومعه لبنان – الرهينة بسياسة محاور اقليمية ودولية لا تصب بالضرورة في مصلحة كل لبنان ولا في مصلحة الشعب اللبناني والدولة اللبنانية.
فحزب الله يجب ان يتحمل من الان وصاعدا مسؤولية مباشرة في اي استهداف اسرائيلي للاراضي اللبنانية ولحماس في الاراضي اللبنانية بعد ان اضيف الى عنوان حماس الدمشقي عنوان ميداني لبناني يزيد من تعريض لبنان باسره للخطر وللمواجهة، اذا اخذنا بالاعتبار ايصاد باب المواجهة انطلاقا من الاراضي السورية. فبات للاسرائيلي اكثر من سبب اقليمي لتوريط لبنان في اي حرب ان حصل اي احتكاك فلسطيني – اسرائيلي في الاراضي المحتلة مستقبلا.
ثالثا: اما في المواقف السياسية فبالنسبة الى كلام السيد حسن الاخير في ذكرى عاشوراء وبالاضافة الى ما سبق لنا وادلينا به من ملاحظات في مقالة سابقة، فاننا نضيف ملاحظات ثلاث:
1 ان كلامه اوصد الابواب امام اي حوار لبناني – لبناني حول السلاح، وما يؤكد ذلك ايضا كلام النائب رعد الاخير الذي اختصر قرار الحزب بعدم التكلم عن الموضوع بعد اليوم، عندما قال بما معناه ان وحده موضوع السلاح يطلق الى الان السنة المعترضين عليه، اذ لا موضوع اخر امامهم. وكأن الحديث عن السلاح بات ممنوعا في مواقف حزب الله الاخيرة وقد بات من المحرمات التي يزعج التطرق اليها الحزب وقيادييه. فعلى ماذا نتكلم عن حوار اذا ان كان ممنوعا على اللبنانيين على طاولة الحوار التطرق للموضوع وبحثه والبت به وبمصيره، علما بانه الموضوع الوحيد الذي رحله البيان الوزاري الاخير الى طاولة الحوار نظرا لاستمراره مادة خلافية اساسية بين اللبنانيين.
2 ان كلام السيد حسن بالنسبة للمسيحيين كان بمثابة البلاغ رقم (1) ضدهم اذ يكفي انه لجأ في كلامه عن "نصائح" للمسيحيين – الى تذكيرهم بمسيحيي العراق اي اقليات المشرق العربي، كي يستنتج المؤمن والعاقل بان كلامه لم يكن خاليا من ايصال رسائل تهديد الى المسيحيين المعترضين على السلاح وتحديدا مسيحيي 14 اذار (قوات لبنانية – كتائب لبنانية – مستقلون …) علما ان ثمة فوارق اساسية وتاريخية وانسانية وسياسية بين المسيحيين هناك وبين مسيحيي لبنان.
فالاشارة الى الواقع المسيحي في العراق كان خطأ استراتيجيا من طرف السيد حسن اذ انه وبدل ان يطرح مشروع وحدة وحماية للدولة لحماية الجميع في كنفها ومنهم المسيحيين، وجه سهام اتهامه الى مسيحيي 14 اذار ما ادى وسؤدي استراتيجيا الى شد العصب المسيحي اكثر من جهة والتفافه حول الفرقاء المسيحيين المناوئين للحزب وحلفائه، ومن جهة اخرى الى زيادة عامل انعدام الثقة بين شريحة كبيرة من اللبنانيين وبين الحزب وما ومن يمثل.
اما بالنسبة الى تصاريح السيد اسامة حمدان – ممثل حماس في لبنان – عن ظروف وملابسات الانفجار في حارة حريك، واستشهاد فلسطينيين من الحركة. فان ما ازعج المواطن اللبناني ان ينبري السيد حمدان في ممارسة لعبة الغموض في التحقيقات وفي الاشارة الى التحقيقات من دون اقامة اي وزن للسطات الشرعية اللبنانية ولا للقوى الشرعية من امنية وقضاء – في ظل ما حكي عن وصول قاضي التحقيق العسكري الى مكان الانفجار بعد مرور اكثر من 20 ساعة على وقوعه وما تعنيه هذه الفترة من استغراق فترة طويلة نسبيا بين الحدث وبدء التحقيق الرسمي، فترة تكفي لاخفاء المعلوم والتكتم على المستور. فالسيد حمدان لم يطالب بتحقيق رسمي ولم يطالب بتدخل الدولة اللبنانية واجهزتها – بما يفسر اكتفاؤه بتحقيقات الحزب وقضاء الحزب – ربما لمنع انفضاح المزيد من اسرار العلاقات الثنائية ومن خفايا التنسيق بينهما على الاراضي اللبنانية في ظل غياب تام لعلم او لدور للدولة اللبنانية واجهزتها في دويلة الحزب وحسابات الحزب.
ومع ذلك تزداد "همايونية" النظريات والمواقف العونية مما حصل ان في كلام السيد في عاشوراء وان في ما حصل في حارة حريك. فالعماد عون يوصي بانفتاح المسيحيين والحوار للحل، وهو يتبنى دون تحفظ كل ما يقوله السيد حسن. وينسى العماد ان من لا يبدي انفتاحا على الحوار هو الحزب الحليف له. ومن ضاق ذرعا بمطالب الاكثرية بموضوع السلاح هو الحزب حليفه. ومن يرفض الحوار المثمر والجدي حول السلاح ويؤجل في استحقاقه هو الحزب حليفه. الا اذا كان المطلوب بالانفتاح الانبطاح امام الحزب الحليف والتسليم بالوهيته وقدسية نصائحه، كي نستحق عندها نعمة الرضوان العوني. كما ان الاخ النائب ابراهيم كنعان يتبع صوت معلمه في توصيف ردود فعل المسيحيين على كلام السيد في عاشوراء فيعتبره كلاما "لتسجيل مواقف"، في وقت نراه وسواه من المتفوهين في التيار الوطني وتكتل التغيير والاصلاح يعتلون المنابر والشاشات للتنظير بالحقوق المسيحية وبازالة الغبن عن المسيحيين وبانقاذ الوجود المسيحي وحفظ حقوق المسيحيين وما الى ذلك من شعارات حق يراد بها باطل، وما حيلتنا في كل هذا طالما ان العماد لم يجد بدا من التشبيه بين عاشوراء وواقعة كربلاء والام السيد المسيح …
صحيح من قال "ومن الحب ما قتل …" ونحن نزيد: " فعلا كم ان الحب أعمى …"