"الدولة العادلة والقوية" على الطريقة الإيرانية
تقدّم إيران نفسها على اعتبار أنها "جمهوريّة إسلاميّة"، بل لقد قيل لنا فيها:"إن الجمهورية الإسلامية في إيران مسؤوليتنا جميعا وليست مسؤولية الشعب الإيراني المسلم وحده، وعلى المسلمين أن يخدموها ويساعدوها لأنها قلب الإسلام النابض وقرآن الله الناطق" (العهد/23 حزيران 1989).
بالأمس تابعنا عبر وسائل الإعلام، هذا الحكم النموذجي الإيراني الموصوف بأنّه "قلب الإسلام النابض وقرآن الله الناطق"، فأمس الثلاثاء 5-1-2010وجّه وزير الداخلية الإيراني مصطفى محمد نجار، الإنذار الأخير للمعارضين المحتجين على نتائج الانتخابات الرئاسية مهددّاً بأن تنفيذ حكم بالإعدام بانتظارهم، بعدما تمّ تحديد وتكريس اتهامهم بأنّهم: "محاربين لله والرسول".
القرار، وهو قمّة في الأحكام الجائرة، ونموذج مروّع من تلك الأنظمة التي تناوبت على قتل شعوبها، بتهمة الخيانة أو العمالة أو التآمر على النظام أو تهديد الأمن القومي،سواء عبر فرض أحكام عرفيّة أو قوانين طوارئ، هو قرار لم يسبق أبداً في تاريخ "الحكم الإسلامي" أن اتخذ مثله في العلن على الأقل ـ ومن دون تحقيق ومحاكمة ووجود قضاة وشهود بل بعيداً عن أي نمط من أنماط الأنظمة القضائية حتى الصورية منهاـ على هذا المستوى العام والشامل بتقرير تهمة ورسم الإعدام عقوبة لها تحت عنوان "محاربة الله ورسوله".. وحتى في زمن أسوأ الذين حكموا المسلمين بالحديد والنار إبان خلافاتهم أو ولاياتهم لم يتم تنظيم عقوبة محدّدة بتهمة محدّدة واتخاذ قرار بتنفيذها بكلّ من يعترض على أمر..
هذا القرار الإيراني المذهل ـ بحسب وزير الداخليّة الإيراني ـ اتخذ بعد احتجاجات يوم عاشوراء التي تمت مواجهتها من قبل السلطات الإيرانية بقتل المتظاهرين رمياً بالرصاص ودهساً تحت عجلات عربات الشرطة.. عملياً لم نظنّ يوماً أن النظام الإيراني نظام ديموقراطي، وأنّ الحياة في ظلّه زاهية والمستقبل مشرق، وقد لا نجد فرقاً كبيراً بين نظام الشّاه الذي بلغ في طغيانه مبلغ تسمية نفسه بـ "الشاهنشاه"، وبين نظام ـ يقول أنه إسلامي ـ وبلغ في طغيانه حدّ التهديد بإعدام الناس بتهمة جاهزة، ومن دون أدنى تورّع عن إراقة دماء الشعب.
عندما تبلغ الأنظمة هذه المرحلة من تهديد شعوبها بالإعدام، تكون هذه الأنظمة ترتعد خوفاً من هذه الشعوب، وعندما لا يعود النظام يملك سوى التهديد بالإعدام لتخويف الناس، يكون هذا النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة.. وفي تاريخ الطغاة ـ أشخاصاً وأنظمة ـ عبرة للأنظمة التي تعتبر، وأقربها إلى الذاكرة مشهد سقوط صدام حسين بدءاً من سقوط تمثاله ورشقه بالأحذية مروراً بحفرته انتهاءً بمشنقته..
ومن عبر تاريخ الطغاة "جوزيف ستالين" الذي وصل إلى السلطة المطلقة عام 1930، فأباد أولاً رفاقه أعضاء اللجنة البلشفيّة وبعدها أباد كلّ من يعتنق فكراً مغايراً لفكره أو معارضاً له.. ويحفظ التاريخ أنه تمّ إعدام مليون نسمة بين الأعوام 1935 ـ 1938 والأعوام 1945 ـ 1950، وتم ترحيل الملايين قسراً.. وفي 5 آذار 1940 قام ستالين بنفسه بالتوقيع على صكّ بإعدام سبعمائة وخمس وعشرين ألفاً من المثقفين البولنديين وبين القتلى سبعمائة وأربعة عشر ألفاً من أسرى الحرب، وقضى على ما يقارب "ثلاثين إلى أربعين ألفاً من المساجين فيما عرف تاريخياً بـ "مذبحة المساجين".. ويحفظ التاريخ أن ضحايا ستالين ما بين إعدامات ومجاعات وترحيل قسري بلغوا ما بين ثمانية إلى عشرين مليون قتيل.. أما في النهاية الطبيعيّة لكلّ طاغٍ ونظام ديكتاتوري ـ مهما تسمّى بأسماء تعظيميّة وإيديولوجية وعقائديّة أو إلهية ـ ستالين مات كما كلّ البشر، وبعد عقود قليلة الإتحاد السوفياتي نفسه انهار نظامه وتفكّكت دوله..
قيلَ في الأثر: "كفى بالموت واعظاً".. و"السعيد من اتعظ بغيره والشقيّ من اتعظ بنفسه"، إلا أن من عجائب طبع البشر، وطبائع الاستبداد في الأنظمة أنها لا تعتبر لا بغيرها ولا بنفسها أيضاً..