أطراف معنيون لا يساعدون ويتبادلون شروط العرقلة…
لا قيام لدولة قوية في لبنان من دون تنفيذ القرار 1701
يقول سفير سابق للبنان لو ان قرارات مجلس الامن الدولي تم تنفيذها، لما واجه لبنان ما واجهه من حروب واضطرابات امنية وانتشار الاسلحة في ايدي الميليشيات بحيث باتت الدولة دولة الميليشيات. فالقرار 425 الذي دعا الى انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي اللبنانية التي تحتلها بدون قيد ولا شرط لم ينفذ، الامر الذي ادى الى دخول مسلحين فلسطينيين الى لبنان بحجة تحرير ارضهم من لبنان… فكان ان رد لبنانيون على وجود هؤلاء المسلحين بالتسلح وادخال لبنان في حروب عبثية مدمرة، وهي حروب ما كانت لتحصل لو انه كان لجميع اللبنانيين موقف واحد من الوجود الفلسطيني المسلح. ولم تتوقف تلك الحروب الا بعد دخول قوات سورية الى لبنان بموافقة عربية ودولية وعدم ممانعة اسرائيلية، وصار على لبنان ان يطالب ليس بانسحاب القوات الاسرائيلية فحسب بل بانسحاب القوات الفلسطينية والقوات السورية ايضا كي يستعيد لبنان سيادته واستقلاله وحريته وتقوم فيه الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها.
لكن اسرائيل اتخذت من وجود القوات الفلسطينية والقوات السورية في لبنان ذريعة لبقاء قواتها فيه وربطت انسحابها منه بانسحاب هذه القوات، حتى ان اتفاق 17 ايار الذي وضع بهدف التوصل الى تحقيق انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي اللبنانية في الجنوب تنفيذا للقرار 425 جعل الجانب اللبناني يفاجأ برسالة اسرائيلية تطلب انسحاب القوات السورية من لبنان في مقابل انسحاب قواتها. وهكذا صار انسحاب القوات الاسرائيلية مرتبطا بانسحاب القوات السورية وبالتزامن، او تبقى قوات هاتين الدولتين بالتزامن ايضا… من دون ان يقدم مجلس الامن ولا المجتمع الدولي على اي خطوة تضمن تنفيذ القرار 425، فلم يكن عندئذ من "حزب الله" ومن معه سوى تحرير الاراضي التي تحتلها اسرائيل في الجنوب بقوة السلاح، وقد نجح حيث فشلت الدولة اللبنانية ومجلس الامن.
ولو انه صار تنفيذ القرار 1559 لما تم التمديد للرئيس اميل لحود وما احدث من تداعيات وانقسامات حادة، ولما بقي سلاح في ايدي الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ولكانت الدولة بسطت سلطتها على كل اراضيها، ولما قامت "ثورة الارز" و"انتفاضة الاستقلال" بعد اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وما تبع ذلك من اغتيالات انتهت باخراج القوات السورية من كل لبنان بالاكراه عوض ان يتم طوعا وبالحسنى.
وها ان لبنان يواجه اليوم مشكلة تنفيذ القرار 1701 الذي يخشى ان يكون مصيره كمصير القرارين 425 و1559 بحيث لا يتم التوصل الى تنفيذه الا بحروب جديدة او بدخول قوات دولية او عربية، لان اسرائيل تحاول ان تكرر المشهد نفسه، فلا تنسحب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا الا بعد ان يحسم النزاع حول ملكيتها بين لبنان وسوريا، وسوريا ترفض ترسيم حدود هذه المزارع لتثبيت ملكية لبنان لها الا بعد انسحاب القوات الاسرائيلية منها وبحجة انها ترفض ترسيم الحدود في ظل الاحتلال الاسرائيلي… وهكذا يبقى هذا الاحتلال مع استمرار عقدة الخلاف على ترسيم الحدود. وهي العقدة التي يسعى الرئيس ميشال سليمان في جولاته وزياراته الخارجية الى مساعدة لبنان على تنفيذ القرار 1701 كاملا، لان في تنفيذه تنتفي اسباب وجود السلاح خارج الدولة بهدف تحرير بقية الاراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل وتقوم عندئذ الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها، كما تنتفي اسباب خرق الطائرات الحربية الاسرائيلية للاجواء اللبنانية بحجة مراقبة دخول الاسلحة الى "حزب الله" والى غيره من التنظيمات والمجموعات تعزيزا للمقاومة.
وتنفيذ القرار 1701 تنفيذا دقيقا كاملا يعيد لبنان الى اتفاق الهدنة المعقود بينه وبين اسرائيل عام 1949، وهو الذي يحكم العلاقات بينهما الى حين التوصل الى تحقيق سلام شامل ينهي الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني والصراع الاسرائيلي – العربي.
لكن السؤال المطروح هو: هل الاطراف المعنيون بتنفيذ القرار 1701 يهمهم تنفيذه؟
الواقع ان لبنان وحده هو الذي يهمه تنفيذ هذا القرار كي تقوم فيه الدولة القوية القادرة لكنه عاجز وحده عن ذلك. فاسرائيل قد تكون لها مصلحة بربط تنفيذه بتنفيذ كل القرارات المتعلقة بالصراع العربي والفلسطيني معها كي تدخل من خلال ذلك في تسويات ومقايضات… وقد اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ان القرار 1701 قد "انهار كليا، فحزب الله يملك عددا من الصواريخ اكثر بأضعاف مما كان يملكه قبل حرب تموز وان هذا القرار لم يصمد امام اختبار الواقع، وكان يفترض ان يمنع اعادة تسلح حزب الله". وكانت وزيرة الخارجية الاسرائيلية في الحكومة السابقة تسيبي ليفني قد اعلنت "ان العالم يواجه امتحانا حاسما من اجل ضمان تطبيق القرار 1701 بالكامل وعدم السماح مطلقا لحزب الله بتهديد مستقبل المنطقة"، واكدت انه "لو نفذ القرار 1559 لما حصلت حرب تموز عام 2006".
وفي تصريح لوزير خارجية فرنسا اعتبر فيه "ان القرار 1701 ينطبق على سوريا كما ينطبق عليها القرار 1559"، وسوريا قد لا ترى مصلحة لها في تنفيذ القرار 1701 الذي يحل المشكلة الباقية بين لبنان واسرائيل ويعيدهما الى اتفاق الهدنة، في حين تبقى المشكلة قائمة حول موضوع الجولان وهو ما لا ترضاه وتعتبر ان حل هذه المشكلة هو الذي يؤدي الى حل مشكلة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا في لبنان، وهو الذي يؤدي الى انتفاء حاجة "حزب الله" الى السلاح.
واذا كان لبنان الرسمي يهمه تطبيق القرار 1701 كي تقوم فيه الدولة القوية القادرة ولا تعود الحاجة حتى الى استراتيجية دفاعية تعالج موضوع سلاح المقاومة، فان المتضررين من تطبيقه يهمهم ان يكون مصيره كمصير القرار 425 والقرار 1559 كي يستمر الوضع على ما هو الى حين يتحقق السلام الشامل سواء في المدى القريب او البعيد، والدليل على ذلك قول نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في تصريح له: "نحن اتفقنا مع الحكومة والدول الكبرى على ان مسألة السلاح هي قضية داخلية وليس للقرار 1701 علاقة به، وان المقاومة كرؤية وحضور مستمرة على قاعدة ان مبررات انتهائها ليست قائمة، وعندما نتفق على خطة دفاعية لمواجهة اسرائيل تحدد عندئذ وظيفة المقاومة والجيش والشعب اللبناني".
وقال المسؤول عن منطقة الجنوب في "حزب الله" الشيخ نبيل قاووق في تصريح له اثر حادث الانفجار في بلدة خربة سلم: "ان المقاومة لا تنتظر ابدا القرار الدولي 1701 وان ليس امام لبنان الا معادلة المقاومة التي تخيف اسرائيل".
وكان وزير الخارجية السوري وليد المعلم قد اعلن اثر صدور القرار 1701 ان هذا القرار "غير متوازن ولا يعالج المشكلة من جذورها وان المجتمع الدولي مطالب بتنفيذ القرارين 242 و338". واعتبر العماد ميشال عون من جهته ان القرار 1701 "ليس اكثر من هدنة مع اسرائيل ولا ينطوي على اي حل، وان مجلس الامن انحاز الى اسرائيل لانه لم يستنكر جرائم الحرب التي ارتكبتها".
هذه المواقف وغيرها تدل على ان ثمة من لا يريد تنفيذ القرار 1701 لانه في مصلحة لبنان، والخلافات الداخلية فيه تعرقل ذلك، والمحاولات الاقليمية تلتقي معها في تعطيل تنفيذ هذا القرار ان لم تكن تعمل على اسقاطه، بعدما اخذت تطلب بالغاء القرار 1559 الذي يشكل جزءا من الـ1701.