بين شهاب وسليمان
عندما انتقل اللواء فؤاد شهاب من قيادة الجيش الى قيادة الدولة والبلاد الخارجة لتوّها من ثورة حمراء، كانت ترتسم في ذهنه ملامح جمهورية صلبة وقويمة وقابلة للحياة والتطور، ومستندة الى دعائم من المساواة والإنصاف والعدالة والانماء.
وكان في مقدم هواجسه، وحتى في برنامجه غير المعلن، مشروع ايصال الدولة الى مجاهل الجمهورية، حيث الحرمان الشامل يستقبل الزائر في الحل والترحال.
وكثيرا ما صارح اركان الحلقة الضيقة المحيطة به بأنه ينظر باهتمام كبير الى يوم يستطيع فيه ان يجعل هذه الجمهورية الكرتونية الفولكلورية جمهورية عن حق وحقيق، تماثل بخطوطها العريضة الجمهورية الخامسة التي انقذ الجنرال شارل ديغول بواسطتها تلك الفرنسا الختيارة، وقادها بحنكة وشجاعة الى ضفة الحداثة والعصرنة.
حتى غدت الجمهورية الخامسة انموذجا للتحدي والنقاش على امتداد القارة العائدة من حرب الخمسين مليون قتيل…
اذاً، لنضع الانموذج الفرنسي الديغولي نصب اعيننا، ولنبحث عن النقاط التي يمكن ان تكون دليلنا لبنانيا الى الاصلاح والاستقرار والازدهار، قال الامير اللواء الرئيس لاركان حلقته.
وكان من البديهي ان يُطرح السؤال التقليدي "من اين نبدأ؟" وما هي الأسس والمبادئ التي نبني عليها دولة قريبة من العصر ان كان مستحيلا علينا بلوغ العصرنة؟
عن هذا السؤال الشامل والكبير، كان الجواب جاهزا بخطوطه العريضة لدى "وليّ العهد" الياس سركيس. فورا قال: من الادارة يا فخامة الرئيس نبدأ.
نبني ادارة صالحة ومزودة اصحاب الاختصاص والكفاية، فنبني في الوقت نفسه دولة قوية، لا تنقصها المناعة، ولا تمون عليها القيادات والمرجعيات. فتكون هي دولة القانون والمؤسسات، ودولة كل لبنان واللبنانيين.
وكان سؤال يقلق الرئيس العسكري في مسلكه والمدني في تطلعاته وطموحه: كيف تكون لنا هذه الادارة؟
بإبعادها كليا ونهائيا عن "عادة" المحاصصة بين الزعامات السياسية والمرجعيات الدينية، ونقطع عنها دابر النفوذ الفتاك الذي يدمّر الادارة، ويزرع فيها سوسة الفساد والربابنة الفاسدين، كان الجواب شبه الجماعي لافراد الحلقة.
علّق الرئيس شهاب بابتسامة ذات مغزى لم تفارقه طوال عهده: وكيف نردع اهل المحاصصة وأَكَلَة الجبنة؟
فكان الجواب: نعطي لقيصر ما لقيصر ولله ما لله.
نعطي لكل طائفة حصتها ميثاقيا وبدقة، لكننا نختار افضل ما عند الطوائف وأكفى المرشحين وأصلح الذين يساهمون معنا في بناء الادارة والمؤسسات والقوانين والدولة العصرية.
على هذه الاسس، وانطلاقا من هذه المفاهيم، ووفقا للنموذج الفرنسي، وانسجاما مع رغبة اللواء الامير ارتفعت مداميك الدولة الحديثة ومؤسساتها التي بقيت بمعظمها ثابتة وواقفة وإن على رجل واحدة رغم الحروب، والاقتطاعات، والاقتسامات، وعلى هذه الاسس والمفاهيم يستطيع الرئيس العماد ميشال سليمان الآتي من قيادة الجيش الى قيادة البلاد الخارجة من بحر الظلمات، ان يعيد بناء الادارة التي على اعمدتها ترتفع جدران الدولة.