#adsense

طهران ليست قوة عظمى وقيادتها تخوض معركة مصير

حجم الخط

 النظام الايراني لن يسقط الآن لكن أخطاراً تهدّده
طهران ليست قوة عظمى وقيادتها تخوض معركة مصير

"الانتفاضة الواسعة والمستمرة للايرانيين منذ اشهر ضد النظام القائم هي الثانية من نوعها التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط في السنوات الاخيرة، اذ انها تشبه في جوهرها، الى حد كبير، انتفاضة اللبنانيين بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه ضد النظام السوري المهيمن على بلدهم. ذلك ان الانتفاضتين تعكسان تصميم الشعب، او الغالبية من ابنائه، في كل من البلدين على ممارسة سلطته المشروعة وعلى العمل من اجل تغيير الامر الواقع المفروض عليه بالوسائل السلمية والديموقراطية. واذا كانت الانتفاضة الشعبية اللبنانية في 14 آذار 2005 حققت هدفها الاساسي وادت الى انهاء الوصاية السورية على لبنان ودفعت المجتمع الدولي الى تأمين حماية واسعة للبنان المستقل السيد، فان الانتفاضة الشعبية الايرانية تصطدم بعقبات مهمة تجعل من الصعب عليها تحقيق اهدافها الاساسية بسرعة او في مستقبل منظور".

هذا ما ادلت به الينا مصادر ديبلوماسية اوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على تطور الاوضاع في ايران. واوضحت "ان الحركة الاصلاحية الشعبية المتنامية والعميقة المسماة "الحركة الخضراء"، التي تشهدها مناطق ومدن ايرانية عدة، لن تؤدي وحدها الى اسقاط النظام الايراني الحالي، وإن تكن هذه الحركة تضعفه بشكل لا سابق له منذ قيام الجمهورية الاسلامية عام 1979، وتقلص شرعيته وتضعه في موقف حرج جدا امام الرأي العام العربي والدولي نتيجة اساليب القمع والمواجهة البالغة القسوة التي يعتمدها في تعامله مع المعارضين المحتجين والتي تشمل اعتقال اكثر من خمسة آلاف مواطن وقتل وجرح العشرات في الصدامات المختلفة التي شهدتها البلاد".

وقالت المصادر إن ثلاثة عوامل اساسية تجعل الحركة الاصلاحية "الخضراء" عاجزة في المرحلة الراهنة عن اطاحة النظام الايراني هي الآتية:
اولاً، لهذه الحركة قادة بارزون من اركان الجمهورية الاسلامية في طليعتهم المرشحان الخاسران للرئاسة مير حسين موسوي ومهدي كروبي والرئيس السابق محمد خامتي وتلقى دعما من علي اكبر هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام. ولكن ليست للحركة قيادة حقيقية موحدة واستراتيجية واقعية فعالة لاسقاط النظام، وليس لديها ايضا مشروع واضح ومتكامل لنظام جديد بديل من النظام الحالي يلتف حوله ويدعمه الايرانيون او تدعمه الغالبية الكبرى منهم فعلا". وكما قال لنا خبير فرنسي بارز: "مصدر قوة الحركة الاصلاحية انها حركة احتجاج عفوية وشعبية تعكس خصوصا رفضا شعبيا واسعا للسياسات الداخلية والخارجية للنظام، لكن نقطة ضعفها هي انها غير منظمة وتفتقر الى مخطط واضح لتغيير النظام واقامة نظام آخر يعكس تطلعات الاصلاحيين واقتناعاتهم".

ثانياً – يصعب اطاحة النظام ما دام يملك قوة متماسكة عسكرية – امنية كبيرة وميليشيات تضم عشرات الآلاف من المسلحين قادرة كلها على توفير الحماية له وعلى مواجهة المحتجين العزل باقسى انواع القمع. وليس من الضروري والاكيد ان تشهد ايران هذه المرة وبسرعة تكرارا لعملية اسقاط نظام الشاه عام 1979 نتيجة انتفاضة شعبية هائلة.

ثالثاً – ان مقومات النظام وركائزه اكثر صلابة ومتانة حتى الآن من مقومات الحركة الاصلاحية وركائزها. صحيح ان ثمة نقمة شعبية واسعة من اعمال النظام وممارساته وخططه الداخلية والخارجية الى حد ان وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير قال اخيرا، استنادا الى معلوماته، "إن سبعين في المئة من الايرانيين يدعمون الحركة الاصلاحية". وفي المقابل، ان القاعدة الشعبية للنظام لا تزال قوية ومهمة وان القيادات والمرجعيات الدينية منقسمة في ما بينها وليست مؤيدة كلها للاصلاحيين المحتجين كما كان الحال عام 1979.

خمسة احتمالات

ويتفق ديبلوماسيون وخبراء فرنسيون واميركيون معنيون مباشرة بالملف الايراني على القول "إن الوضع في ايران بالغ الخطورة والحساسية والدقة، اذ ان النظام نفسه يقر بخطورة حركة الاحتجاج الواسعة وجديتها باستخدامه اقسى اجراءات القمع والمواجهة في التعامل معها وتصرفه كأنه يخوض معركة مصير وليس مجرد معركة امنية – سياسية مع معارضين لسياساته. لكن اللافت والمثير للاهتمام انه بقدر ما يظهر النظام تصميماً على محاولة انهاء هذه الحركة يظهر المعارضون المحتجون تصميما متزايدا على مواصلة عمليات التظاهر والاحتجاج وتوسيع نطاقها جغرافيا واجتماعيا وتصعيد الحملات على اركان الحكم وعدم الاكتفاء بمهاجمة الرئيس محمود احمدي نجاد، كأن هؤلاء يخوضون حرب استنزاف حقيقية ضد هذا النظام".

وأفاد الديبلوماسيون والخبراء ان المسؤولين عن الملف الايراني في عدد من العواصم الغربية البارزة على اقتناع بأن ايران دخلت مرحلة خطرة من الفوضى والعنف، وهم يدرسون مجموعة من الاحتمالات والسيناريوات يمكن ان تحصل وتشكل تهديدا جديا للنظام اذا اتسع نطاق حركة الاحتجاج وازدادت زخما وتشددا. وابرز هذه الاحتمالات والسيناريوات هي الآتية:

اولاً – حصول انشقاقات عميقة في المؤسسة العسكرية – الامنية التي تضم الجيش والحرس الثوري "الباسدران" وقوى الامن والميليشيات الاسلامية "الباسيج"، الامر الذي يشكل تهديدا خطرا للنظام يمكن ان يؤدي الى سقوطه. ولاحظ خبير فرنسي "ان قيادة ثلاثية تحكم ايران فعلا في الوقت الحاضر وتضم مرشد الجمهورية الاسلامي علي خامنئي والرئيس محمود احمدي نجاد والحرس الثوري الذي تزايد نفوذه في السنوات الاخيرة وفي مختلف القطاعات الى حد ان الخبراء يقولون ان ايران صارت دولة الحرس الثوري. وليست ثمة انشقاقات حقيقية حتى الآن تهدد هذه القيادة الثلاثية".

ثانياً – احتمال حصول انقلاب عسكري على النظام بدعم من الاصلاحيين وربما من جهات خارجية وهو ما يمكن ان يحول الصدامات مواجهات دامية يشارك فيها افرقاء عدة.

ثالثاً – احتمال تحول انتفاضة الاحتجاج ثورة شعبية حقيقية تنفجر في مختلف المناطق وتشمل اضرابات عامة واعمال عنف اكثر خطورة من تلك التي تشهدها ايران حاليا.

رابعاً – ثمة احتمال ولو ضعيفا حاليا لنشوب حرب اهلية اذا ما اتسع نطاق المعارك والمواجهات بين انصار السلطة والمعارضين واذا ما حصلت انشقاقات في الجيش وفي صفوف المؤسسة العسكرية – الامنية الحامية للنظام.

خامساً – ثمة احتمال ان يستغل بعض "الاقليات" كالعرب والاكراد والبلوش اي اضطرابات خطرة في ايران للقيام باعمال ونشاطات مسلحة ضد هذا النظام مما يشكل حينذاك تهديدا له.

ويرى الديبلوماسيون والخبراء الفرنسيون والاميركيون المعنيون بالامر انه "ليس ثمة مجال او فرصة لعقد اي نوع من الصفقة او المصالحة تحقق انفراجا حقيقيا في ايران بين تحالف المحافظين المتشددين المسيطر على الحكم والحركة الاصلاحية، بل ان المواجهة بين الطرفين مستمرة الى النهاية، خصوصا ان النظام يتصرف على اساس انه يخوض معركة مصير وان المصالحة مع الاصلاحيين تهدده. لذلك رفض النظام مبادرات عدة لتحقيق مصالحة وطنية وللخروج من المأزق الخطر طرحتها قيادات مختلفة كهاشمي رفسنجاني ومرجعيات دينية ومير حسين موسوي نفسه. ففي الاول من الشهر الجاري ابدى موسوي استعداده لـ"الاستشهاد" في معركته من اجل اصلاح الاوضاع وطرح مبادرة للخروج من "الازمة الخطرة" تتضمن اقتراحات لاحداث تغيير ديموقراطي حقيقي في ايران، ابرزها ان تتحمل الحكومة مسؤولية اعمالها امام الشعب ومجلس الشورى والقضاء مما يشكل ضمنا انتقاصا من سلطة الولي الفقيه، وان يعدّل قانون الانتخابات لايجاد منافسة حرة وشريفة بين المرشحين، وان تفرج السلطات عن المعتقلين السياسيين وتعيد الاعتبار اليهم، وان تطلق حرية الصحافة والرأي والاعتراف بحق التظاهر والتجمع وتشكيل الاحزاب في اطار القانون.

وقد رفض النظام مبادرة موسوي لانه ليس راغبا في اجراء تغيير جذري في توجهاته ومواقفه بل انه مصمم على التمسك بسياساته وخططه المتشددة داخليا وخارجيا.

"ايران" البناء الداخلي و"ايران" المواجهة

وفي رأي الديبلوماسيين والخبراء الفرنسيين والاميركيين "ان امامنا اليوم ايرانين:
ايران الاولى هي تلك التي يريدها الاصلاحيون المعارضون الذين يدعون الى التركيز على البناء والاصلاح الداخليين والافادة من الثروات الطبيعية كالنفط والغاز لمعالجة المشاكل الاساسية الحيوية للايرانيين ولتحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في البلاد وتطوير بناها التحتية. ذلك ان الاصلاحيين يدعون، من جهة، الى اعتماد "الخيار الصيني" المتمثل في الانفتاح على اميركا والغرب مع التمسك بثوابت الجمهورية الاسلامية ومبادئها الاساسية وتحسين ادائها في الداخل، ويدعون، من جهة ثانية، الى اعطاء الاولوية للحفاظ على برنامج نووي سلمي وتحسين العلاقات مع اميركا والمجتمع الدولي وتطويرها والتخلي تاليا عن النشاطات والجهود الهادفة الى انتاج السلاح النووي لأن الاصرار على امتلاك القنبلة النووية سيلحق، في نظر الاصلاحيين، اضرارا كبرى بايران وبمصالحها الحيوية ويفجر مواجهة عسكرية معها. كما ان الاصلاحيين يدعون الى التخلي عن استراتيجية المواجهة المستمرة في المنطقة العربية التي يعتمدها النظام والى العمل على اقامة علاقات طبيعية وجيدة مع سائر الدول العربية وخصوصا البارزة منها كالسعودية ومصر والى الامتناع عن التدخل سلبا وبشكل خطر في عدد من الساحات الاقليمية والى عدم حصر علاقات ايران بسوريا والقوى المتشددة، مثل "حزب الله" و"حماس". ويقول الاصلاحيون إن منهج الانفتاح على المعتدلين العرب وعلى المجتمع الدولي مع التمسك بالمصالح الاساسية والحيوية لايران هو الذي يعزز مواقع الجمهورية الاسلامية اقليميا ودوليا وليس منهج التحالف مع المتشددين وحدهم. ويتهم الاصلاحيون النظام الحالي بتبديد ثروات ايران وامكاناتها من اجل خوض معارك اقليمية ودولية خاسرة تلحق الضرر والاذى بالايرانيين وتضعفهم في الداخل والخارج.

ايران الثانية هي تلك التي يتمسك بها قادة النظام الايراني الحالي الذين يريدون فرض الجمهورية الاسلامية كقوة اقليمية عظمى مهيمنة على المنطقة بوسائل الضغط والعنف المختلفة، والذين يعتمدون استراتيجية المواجهة مع الدول الغربية بل مع المتجمع الدولي والكثير من الدول العربية ويمنحون انفسهم صلاحية التدخل سلبا، بالتحالف مع قوى محلية متشددة، في عدد من الساحات الاقليمية كلبنان والعراق وفلسطين واليمن ومصر وبعض الدول الخليجية من اجل فرض شروطهم ومطالبهم عليها. وايران الثانية المتشددة تتحدى المجتمع الدولي وتصر على مواصلة عمليات تخصيب الاورانيوم في اراضيها ومساعيها المختلفة لانتاج السلاح النووي، ولو ادى ذلك الى فرض عقوبات دولية عليها والى تعرضها لعزلة دولية ولمواجهة عسكرية مدمرة معها يدفع ثمنها الايرانيون قبل سواهم.

وقال لنا ديبلوماسي اوروبي معني مباشرة بالملف الايراني: "إن التطورات الاخيرة تكشف ان النظام الايراني اضعف سياسيا وشعبيا مما يتصور كثيرون. ذلك ان استخدام وسائل القمع والعنف المختلفة لمحاولة وضع حد لحركة اصلاحية من داخل النظام ذاته، بدل الانفتاح عليها والتعاون معها لاصلاح الاوضاع، هو دليل ضعف وليس دليل قوة. إن ما تشهده ايران ليس بداية نهاية الجمهورية الاسلامية بل نهاية فصل من تاريخ هذه الجمهورية وبداية مرحلة مهمة وجديدة تتميز خصوصا ببروز حركة معارضة سياسية وشعبية ودينية حقيقية وجدية للمرة الاولى منذ عام 1979 ليس ممكنا تجاوزها او تجاهلها او وقف مدّها". واضاف: "هذه الاحداث المهمة هزت صورة النظام الايراني وانعكست سلبا على سمعته اذ لم يعد يظهر في صورة النظام المستقر الموحد الواثق من ذاته والقادر على زعزعة الامن والاستقرار في ساحات عدة وعلى تحدي الكثير من الدول. ومن الخطأ القول ان ايران نمر من ورق ومن الخطأ القول ايضا ان ايران قوة اقليمية عظمى. فايران ليست دولة متطورة ومتقدمة بل دولة نامية، وهي اضعف عسكريا من عراق صدام حسين ولديها طموحات واوهام كبيرة لكنها تملك امكانات محدودة جدا لتحقيقها، وتواجه في الوقت عينه تحديات واخطارا كبرى في الداخل والخارج تحد من قدرتها على ان تفعل ما تريد".

المصدر:
النهار

خبر عاجل