لملاقاة القلق العربي بتسريع طاولة الحوار
كانت لافتة الحركة المكوكية النشطة التي شهدتها الدول العربية، ذات التأثير والنفوذ الكبيرين في هذه المنطقة من العالم، والتي على ما يبدو لم تصل بعد الى خواتيمها، بل من المنتظر ان تشارك دول وشخصيات اخرى في الحراك الذي بدأته الديبلوماسية السعودية في زيارات وزير الخارجية سعود الفيصل لسوريا ومصر، ولقاءات العاهل الاردني الملك عبدالله بالرئيسين السوري بشّار الاسد والمصري حسني مبارك وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، وزيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الخاطفة لعمان ولقائه العاهل الاردني، وقيام امين عام جامعة الدول العربية عمر موسى بزيارة الى الرياض، بما يمكن ان يكون بدء جولة على بعض العواصم المعنية بالاحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة العربية، والتي تتسم بخطورة ظاهرة لا يمكن تجاهلها، خصوصاً بعد اتساع رقعة الحرب في اليمن، وما يحكى عن تدفق السلاح الايراني على المتمردين الحوثيين، وعلى الفريق المطالب بالانفصال عن صنعاء، ودخول اعداد كبيرة من مسلحي تنظيم القاعدة الى اليمن وبدء الجهاد ضد الحكم القائم، واعلان الولايات المتحدة الاميركية ودول عربية عن دعمها حكومة اليمن، ونيتها في تقديم المساعدات على انواعها لمنع تفكك اليمن اولاً والحؤول دون تحويله الى قاعدة قوية لتنظيم القاعدة، بحيث ينقل نشاطه الى الدول المجاورة، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، ان هو تمكّن من السيطرة على مناطق واسعة داخل اليمن.
امّا الموضوع الثاني الذي يقلق معظم الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج العربي، فهو استمرار التوتر بين ايران والولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي حول ملفها النووي الذي يثير بدوره هواجس كبيرة لدى هذه الدول، بسبب عدم وضوح الرؤية للمنحى الذي سوف يأخذه هذا الملف، خصوصاً في ضوء التهديدات الاسرائيلية ضد ايران وسوريا ولبنان والفلسطينيين، والاستعدادات المكثفة التي تقوم بها اسرائيل، في المجالات العسكرية والوقائية والتدريب، وما ينقل في الاعلام الغربي والعربي عن امكانية نشوب حرب في الربيع المقبل، قد تفضي، في حال انتصرت فيها اسرائيل او هزمت، الى واقع جديد في منطقة الشرق الاوسط يختلف عمّا هو عليه الآن من حيث الوضع الجغرافي والسكاني لعدد من الدول.
هذه الصورة السوداوية، ليست سيناريو لفيلم هوليودي، بل هي سيناريو لفيلم حقيقي تجري كتابته فصلاً فصلاً، وتتناوله وسائل الاعلام العالمية بكثير من التوسّع، وما نشرته امس صحيفة الوطن السورية، عن استعداد سوريا لمواجهة اسرائيل ان هي حاولت تدمير حركات المقاومة في العالم العربي، انما يعكس حالة القلق والحذر التي تحكم الساحة العربية، والتي حكمت بوضع الخلافات العربية جانباً والذهاب كتلة متحدة لدرء المخاطر المحدقة، ليس بلبنان وحسب، بل بجميع الدول العربية من دون استثناء، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة هذا التحرك العربي الواسع على مستوى القمة.
* * * * *
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم كله، وفي المقدمة، العالم العربي، بأصعب حالة تمر بها منطقة الشرق الاوسط، واكثرها خطورة منذ عقود، ينصرف بعض اللبنانيين، مع الأسف، الى التفتيش في دفاترهم العتيقة، كيف يمكن لهم ان يعزلوا هذا الفريق، او كيف يخوّنوا ذاك، وكل ذنب هذا الفريق او ذاك، انه دعا كل الافرقاء والشركاء في الوطن، الى الالتفاف حول الشرعية، ومساعدة الدولة على القيام والنهوض، وضخّ القوة في سواعد الجيش الوطني والقوى الامنية الاخرى، والتسليم للسلطة السياسية الشرعية، من رئيس جمهورية، ومجلس وزراء، ومجلس نيابي، بأنها هي صاحبة الحق الوحيد في اخذ قرار المواجهة عند وقوع اي عدوان على لبنان، ولهذه السلطة وحدها، حق تقدير وتقرير نوع الرد على العدوان، ومكانه وزمانه،لانها هي المسؤولة اولاً واخيراً على الوطن والمواطنين، والقرار الذي تتخذه الدولة في مواجهة مطلق عدوان، هو قرار يمكن الاعتراض عليه، ولكنه يبقى قراراً شرعياً يلزم جميع اللبنانيين بالانصياع اليه مهما كانت نتائجه صعبة أو مأسوية، ولنا في حرب مخيم نهر البارد خير مثال على ذلك.
ان لبنان، قادر على مواكبة هذا التحرك العربي بالانخراط فيه كما يفعل رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وكما بدأ رئيس الحكومة سعد الحريري يخطط للقيام بعدد من الزيارات الى دول عربية واجنبية كان اولها زيارة عمان ولقاء الملك عبدالله، كما ان هناك ضرورة وطنية ملحة لاستعجال عقد طاولة الحوار في قصر بعبدا لبحث استراتيجية الدفاع الفضلى التي تؤمّن حماية لبنان، وفي الوقت ذاته تؤمن حماية السلم الاهلي والعيش المشترك بين ابنائه، والاتفاق عليها بين مختلف الافرقاء قبل تعرّضنا لعدوان مفاجئ نكون غارقين قبله في نزاعات هامشية وفي بحث التعيينات والمحاصصة بين مجموعة أكلة الجبنة.