أسوأ ما يطبع حياة اللبنانيين، منذ خمس سنوات، وخلال الأشهر الستة المقبلة، أن يظلوا في حالة انتظار لحرب ما، أو ما يسمّونه استحقاقات اقليمية ودولية، وكأنّهم وحدهم ، خلافا لسواهم من شعوب ودول، محكومون بلعنة سيزيف وصخرته الدهرية.
يتصفّحون يوميات الأخبار ودوريات القراءات والتحليل، ويتسقّطون المعلومات أو أصداءها، ويضربون مواعيد القدر لمصيرهم، ويرسمون خطّا بيانيا للتطورات الدراماتيكية التي يترقّبون، أو يترقّبونها لهم، وكأنهم في وضع تسليم تلقائي بنصيبهم المحتوم من تطاحن القوى والامم.
لقد أدمن اللبنانيون، منذ عقود، معاشرة المجهول والطارىء. لا تستهويهم طرق خالية من المنعطفات، ولا تغريهم حياة بدون مفاجآت، فيكثر بينهم قارئو الغيب وأدعياء التنجيم.
ولكنّ الأشد سوءا هو اختلافهم حول ما هم مشتركون فيه:
ينصرف فريق منهم الى التأهب والاستعداد للحرب وكأنها دعوة الى وليمة، ويرفع التعبئة النفسية والميدانية الى حدودها القصوى، وحين يحذّر فريق آخر من نذائر الحرب ونتائجها الكارثية ، ينبري الأول الى اتهامه بالتواطؤ، أو، على الأقل، بالتهويل والتخويف لبثّ الوهن في روح "الامة" وزرع الشكوك واضعاف الهمم.
طالما أن الفريقين يلتقيان على استشعار الخطر، ويتشاركان في تحديد مصادره ورصد مواعيده ، فلماذا يتفرّد أحدهما في التكتّم على سرّه وسبل مواجهته، ويعيب على "شريكه" مجرّد التنبيه اليه والتحذير من الانزلاق فيه؟
هل من يجاهر باعداد العدّة للحرب ويعلن شوقه اليها، أصدق في وطنيته وأشجع من الذي يحذّر منها ويفتح العيون على خطورتها، وهل البطولة تكمن في استدعاء الحرب واستعجالها للتمتّع بـ "لذّتها"، ولاثبات القدرة على خوضها وتسجيل البطولات فيها، ومراكمة "النصر" و"النصر مجددا"، أم أنّ البطولة الحقيقية تكمن في تدارك الحرب وتفاديها ونزع فتائلها؟
أليس "الرأي قبل شجاعة الشجعان"؟
أليس الضرر في "وضع السيف في موضع الندى"؟
ألم يحن بعد زمن النضج اللبناني ، زمن التبصّر والرأي والندى والحكمة؟ أم أننا ما زلنا في زمن "السير على ما يقدّر الله"؟
جميل أن يتحسّب المرء، لكنّ الأجمل أن يحسب. والحساب السليم هو بين الخسارة والربح، فلا يلتبس علينا الفرق بين الهزيمة والانتصار، ولا نتردد في طرح أسئلة "ساذجة" على المولعين بدورة الدم والدمع والدمار:
هل في أي حرب جديدة على لبنان ربح ومكسب، ولمصلحة من وعلى حساب من؟
هل سترسي الحرب ركائز الاستقرار والازدهار للبنانيين؟
هل ستفتح الحرب أبواب الجنّة أمام الجنوبيين ؟ وهل هم ضحايا اللعنة الابدية بين البناء والفناء، بين التدمير والتعمير؟
الى متى سيظلّ اللبناني خاضعا للثنائية السوداء: التهجير والهجرة؟
الى متى سيبقى سيزيف الجنوب منذورا لصخرته الدامية؟
الى متى سيستمر اللعب القاتل مع ابليس؟