#adsense

اعتماد الكفاية والاختصاص في التعيينات يضمن الاستقرار الإداري

حجم الخط

لأن موظفين يخالفون القانون وولاءهم لزعيم وليس للدولة
اعتماد الكفاية والاختصاص في التعيينات يضمن الاستقرار الإداري

يقول إداري كبير سابق إن كل عهد كانت له طريقته في التعيينات لبلوغ "الاصلاح الاداري".
فعندما كان رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات واسعة، فانه كان يتولى بالتفاهم مع رئيس الحكومة، واحيانا من دون تفاهم، تعيين من يريد في المراكز الامنية والعسكرية والقضائية والادارية، بحيث تشكِّل عدة شغل لعهده ويكون ولاء من هم في هذه المراكز للعهد اولا، حتى إذا ما جاء عهد آخر نقيض له، يتولى إعادة النظر في هذه التعيينات كلاً او جزئيا فيبقي على من يرتاح اليهم سياسيا وخبرة ويقصي من لا يرتاح اليهم. لذا كان موظفو الفئة الاولى غير مستقرين في مراكزهم ومعرضين للنقل او للصرف من الخدمة وإحلال آخرين مكانهم من انصار العهد ومحاسيبه.

وعندما انشأ الرئيس فؤاد شهاب هيئات الرقابة بات التعيين في وظائف الفئة الاولى خاضعا لرأي هذه الهيئات لناحية الكفاية والخبرة والاختصاص والنزاهة بعد رأي اهل السلطة السياسي، وهو في الواقع رأي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في حدود معينة، اضافة إلى الوزراء المعنيين ومراجع دينية احيانا. ولم يكن ثمة من يناقش او يجادل في تعيينات تعني رئيس الجمهورية في الدرجة الاولى مثل قيادة الجيش ومديرية المخابرات وقادة الالوية ومديرية الامن العام ومديرية رئاسة الجمهورية وكبار القضاة والمديريات المالية.

اما في عهد الرئيس الياس الهراوي وتطبيقا لاتفاق الطائف الذي قلّص صلاحيات الرئاسة الاولى فلم يعد في امكانه الاستئثار بالتعيينات في المراكز المهمة بل بات يشاركه فيها رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، وهو ما سمّي "الترويكا"، اضافة الى عدد من الوزراء النافذين والمراجع المؤثرة، وكانت يومها الوصاية السورية على لبنان، فلم تعد هذه المراكز حكرا لطائفة او مذهب معين بل للاشخاص الذين لهم انتماءات سياسية معينة.

وقد تم في عهد الرئيس الهراوي تعديل قانون الموظفين بحيث بات يسمح بتعيين موظفين منتمين الى الاحزاب او التنظيمات وذلك ارضاء لقادتها الذين كانوا يومها من النافذين إما بشعبيتهم الواسعة واما بقوة السلاح الذي كانوا يملكونه زمن دولة الميليشيات. وقد تم هذا التعديل رغم معارضة الرئيس الهراوي والرئيس رشيد كرامي، بدعوى ان مثل هؤلاء الموظفين لن يكون ولاؤهم للدولة بل لاحزابهم وزعمائهم.

وقضى التعديل في قانون الموظفين بأن "يتخلى الموظف كليا في حال انتمائه الى الاحزاب او الهيئات او المجالس او الجمعيات السياسية او الطائفية ذات الطابع السياسي عن اية مهمة او اية مسؤولية في هذه الاحزاب او الهيئات او المجالس او الجمعيات، وان لا يلقي او ينشر من دون اذن خطي من رئيس ادارته خطبا او مقالات او تصريحات او مؤلفات في اي شأن كان". (المادة 14 والمادة 15 من قانون الموظفين).

ورغم ايراد هذا النص في قانون الموظفين حماية لمصلحة الدولة قبل اي مصلحة اخرى، ولضمان الولاء لها والامانة للوظيفة وليس للاحزاب التي ينتمي اليها الموظفون، او للطائفة والمذهب، فان معظم الموظفين الحزبيين او المنتمين الى هيئات ومجالس ذات طابع سياسي لم يتقيدوا بمضمونه، فكانوا يخالفونه وما زالوا في إلقاء الخطب والادلاء بالتصريحات وفي حضور المهرجانات السياسية والحزبية وإلقاء الخطب فيها. وهكذا تحولت الادارات في الدولة اقتطاعات سياسية وحزبية ومذهبية، وبرزت ظاهرة ارتكاب المخالفات والتجاوزات والتصرفات المغايرة للقانون، فأدى ذلك الى تجريد المؤسسات من هيبتها واحترامها. وكذلك الرؤساء التسلسليين في الادارة، واصبح تعميم التجاوز اسلوبا وقاعدة يستحيل معهما على هيئات الرقابة ممارسة اي صلاحية منوطة بها، وانتفى بحكم هذه المسلكية الشاذة واجب الالتزام برأي مجلس الخدمة المدنية وتنفيذ احكام التفتيش المركزي، واصاب التعطيل ديوان المحاسبة ومجلس شورى الدولة وسقط من قاموس الحياة الادارية مبدأ الثواب والعقاب فعم الاستهتار معظم الموظفين، وتحولت الرشوة من جرم يعاقب عليه القانون الى قاعدة مألوفة في الحياة الادارية ونهج في معظم مرافق القطاع العام، واصبحت حصة الموظف من مردود اي معاملة مسألة روتينية، بل عرف شائع متبع من قاعدة الهرم الاداري الى قمته، فضلا عن موظفين يستثمرون اعمالا اضافية في القطاع الخاص لتأمين مزيد من الموارد التي تمكنهم من مواجهة الغلاء المستشري، وهم يعتبرون العمل في الادارة الحكومية ثانويا بالنسبة الى اعمالهم الاخرى، خصوصا عندما لا يكونون مالكين لمراكز حساسة في الادارات الرسمية تؤمن لهم من طريق الرشوة والاستثمار لصفتهم الوظيفية ارباحا قد لا يكون لها حدود احيانا.

لذلك، فان على الحكومة الحالية في عهد الرئيس ميشال سليمان ان تختار لاصلاحها الاداري شكل التعيينات التي تريد في وظائف الفئة الاولى: هل تريد تعيينات تعتمد الكفاية والجدارة والاختصاص والنزاهة مع المحافظة على التوازن الطائفي من دون ان يتعارض ذلك مع المحاصصة والمحسوبية ارضاء للجميع. ومثل هذه التعيينات قد تكون معرضة لإعادة النظر فيها مع عهد آخر او حكومة اخرى لها سياسة مختلفة في التعيينات بحيث لا يعقل ان يأتي رئيس جمهورية ورئيس حكومة ووزراء من خط سياسي معين ويقبلون بان يكون على رأس المديريات التابعة لهم موظفون من خط سياسي آخر. وهو ما يجعل كل عهد يأتي بعدة شغله من موظفين يثق بهم او هم من خطه السياسي كي يطمئن الى عملهم وسلوكهم، وهو ما يحصل في كثير من الدول كلما تغيرت العهود فيها.

هل تريد الحكومة في عهد الرئيس سليمان اعتماد الكفاية والاختصاص والنزاهة في موظفين غير منتمين الى احزاب او تنظيمات كي يكون ولاؤهم ليس للزعيم او للطائفة بل للدولة، فلا يكونون عندئذ معرضين مع كل عهد لحركة نقل واسعة وتشكيلات تبعدهم عن مراكزهم الى مراكز اخرى اقل اهمية فيضطرون الى الاستقالة، او يتعرضون للاقالة، ولا يعودون في مثل هذا الوضع يعيشون حال استقرار واطمئنان نفسي، الامر الذي يؤثر على سلوكهم وسير عملهم.

هل تعتمد الحكومة سياسة المداورة في وظائف الفئة الاولى باستثناء بعض المراكز، ولاسيما منها الامنية والعسكرية، بحيث يستطيع كل عهد في مستهل ولايته اجراء هذه المداورة بما يتفق ونهجه السياسي واسلوبه في العمل ويضع من خلالها الموظف المناسب في المكان المناسب؟
هذا هو المطلوب من الحكومة في رأي الاداري الكبير السابق، اذ عليها ان تختار اي طريقة تريد اعتمادها للتعيينات قبل ان تبدأ بها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل