#adsense

سَجِّلْ أنا عربي!

حجم الخط

سَجِّلْ أنا عربي!

عندما كتب الشاعر الكبير محمود درويش "سَجِّلْ أنا عربي" كان يشعر ان اسرائيل تضع في أولوياتها ضرب الانتماء العربي، بتاريخه، وأفكاره ، لتعري الفلسطينيين من هويتهم القومية. واستخدامه فِعل "سَجِّلْ" كأنما يريد ان يقول إن اسرائيل تمحو هذه الهويات وتشوهها وتصورها "بعبعاً" أو "تنيناً" يريد افتراسها. سَجِّلْ بالحبر والدم والشعر "أنا عربي" قبل ان تصير العروبة "مجرد ذكرى". ولم يكتِب هذه القصيدة "الشعبية" إلاّ كونه فلسطينياً عربياً، لا يفصل بين عروبته وفلسطينيته. لم يقل أنا شيوعي. ولا أنا مسلم. ولا أنا مسيحي. ولا أنا عراقي. أو سوري. أو لبناني… وانما "انا عربي" كأنه يختصر كل هذه القسمات والجغرافيات بالعروبة. بل كأنّ العروبة هي التي تحتضن كل هذه الملامح والهويات: عباءة واسعة تستوعب الأقطار العربية والأقليات والأيديولوجيات والطوائف والأفكار (حتى التي تناهضها)، والماضي والمستقبل. وكأنها الجامع نقطة العبور الأولى الى المشترك بين التعددية الخصبة التي تختزنها. بمعنى آخر، لم يقل محمود درويش (ما اشقى هؤلاء الذين تعرضوا له بعد وفاته: ما أجبنَهم وما اكلَحَهم) ان العروبة تمر بفلسطين. وان وطنه هو ميزانها. كما لم يقل ان العروبة تمر بهذا النظام العربي أو ذاك. كما درجت على المرور ارتباطات بالايديولوجيات. فالعروبة ليست "فكرة" سياسية "عابرة" أو ايديولوجيا "مرحلية" او "تكتيكياً" أو ذريعة، او مجرد شعار يمكن استغلاله للحاجة ثم رميه. ويعني ذلك انها "لا تمر بأي نظام عربي، بل من المفترض (وبالاذن من الذين دأبوا على قطرها بهذا الحاكم، أو بهذا الحزب، أو بهذه السلطة: ما أبأسهم!) انها تمر بالشعب العربي، وبمجتمعاته وطاقاته ووعيه ومنظوماته وقيمه…والذين يرون ، بمناظير "مُحدّبة" ان العروبة من صنع هذا النظام، أو ذاك الحزب، أو تلك الطائفة انما يلغون عن قصد أو غير قصد والأغلب عن قصور فكري او عن تواطؤ في أسوأ الأحوال التاريخ كسيرورة، وكحركة يدفعها الناس باعتبار ان التاريخ لا يمشي وحده وليس عنده مسار واحد كما حاول أن يعلمنا منظرو الاحادية التاريخية.

فأي حزب هذا الذي يُحدّد وجهة التاريخ. وتالياً أي جهة، مهما علا شأنها، او اشتد استبدادها، أو استفحل جنونها، ان تحدد وجهة العروبة، وماهيتها ومادتها وطاقاتها وزمنها ولا زمنها. وهي اذا فعلت فكأنها تشطب الكائن الشعبي والانساني الذي له وحده بأدواته وبارادته ان يحدّد ما يحدد من سلّم قيم العروبة ومضامينها. بحيث يتم تفصيلها على مقاس هذا القائد "المظفر" الفائض بأوسمة "الهزائم" على صدره وظهره ومناخيره وجرائمه أو على قياس مرحلة أو متطلبات ظروف مما يعني "تشييء" العروبة وتسليعها ومقايضتها في أي لحظة بما هو دونها أو بما هو غريبها وغريمها. فهي أكبر من كل المقاسات، ومن كل الأحجام وكل الشعارات. ولهذا، فهي، بقيمها المفتوحة اكبر من مجرد فكرة يروضها "العسكر" أو "المدنيون المتعسكرون" او الأحزاب الاستبدادية، أو النقابات، او المناطقية، أو حتى الدينية. وعندما نتناولها بهذه الطريقة، فذلك لا يعني انها "معطى" مجرد "معطى" نهائي بمكوناته، ومنتوجه؛ متكرر في حركته. متشابه في ظواهره. فهي ليست "احادية" المنظور ولا جامدة ولا ثابتة الملامح ولا موصدة الأبواب، ولا انعزالية المرامي كأن تقع في عباءة نفسها، أو في شوفينية، أو في هوية عدائية إلغائية لسواها، او متحدية للاختلافات، أو عصية على الألفة والائتلاف، ولا رهينة الزمن، ماضياً او حاضراً أو مستقبلاً، او جارية في هذه الثكنة أو ذاك القصر او البلاط… أو اسيرة طبقة من الطبقات، أو فئة من الفئات، أو مرحلة معينة من المراحل. ومن هنا يمكن القول إنها "مطلقة" "كمعطى" ونسبية كمفهوم أو كأفق مشرع على كل الاحتمالات والتحولات والتغيرات وحتى الانتكاسات.

وعلى هذا الاساس يكون "الانتماء" نقطة بداية لا نقطة نهاية. بل ويكون انطلاق تجاوز العروبة نفسها للعودة اليها لتعميقها عبر لقائها المختلف عنها لا المؤتلف اللازب. ونقصد ان العروبة كذات لا يمكن ان تعيش من مجرد اكتفائها "بحدودها": فالذات لا تتطور، ولا تتغير عبر الذات، وانما عبر ذات الآخرين: انها الجدلية الضرورية لدفع كل فكرة أو هوية لاكتشاف نفسها أو وعيها، بعمق، وتفكيك عناصرها عبر الآخر، وليس عبر نفسها فقط. فذاتها تكتمل خارجها. وداخلها يتبلور بما هو غريب عنها. أي ان العروبة سؤال مدرار، أو الأحرى "انا" ناقصة تسعى الى اكتمال ناقص، أو الى جواب غير نهائي. وهذا ما يجنبها الوقوع في أي "تأصيل" خانق، أو "أصولية" مستأصلة أو شمولية عمياء، (أو أي توتاليتارية عوراء) وهنا لا نجد أي معنى لمحاولة بعضهم "تأصيل" العروبة كفعل انتمائي منجز، أو كتوسل جذوري مغلق. فجذورها تنبت كل يوم. ومن كل المنابت، ومن كل المياه والغيوم والآفاق: جذورها تجري لتكتسب ألوان كل ما تمر به، او تتوقف عنده أو تدور حوله، او تستوعبه، أو تغتذيه. ونعود عنه الى مقاربة "العروبة خارج العروبة" لنردد انما العروبة لا تنمو فقط من تربتها ولا ترتفع فقط من أرومتها ولا من "عِرقها" وانما من كل ما يخدمها وتستخدمه، وتعطيه ويعطيها، وتواشجه ويواشجها من أفكار وأديان وعلوم وفنون وابداعات واجتراحات، ولا تقوم هذه العلاقة الحوارية أو التفاعلية (أو حتى الجدلية) من موقع الجمود القابل فحسب، أي من موقع الشغور، بقدر ما تقوم على حركية في كل اتجاه: حركية امتصاصية تحول ما تتناوله عنصراً من عناصرها وتمج ما لا تتواءم معه. وهذا لا يعني انها على مرمى من استنسابية ظرفية (فحسب). او انتقائية فئوية او تسليعية استخدامية، وانما على تجارب مخاض مستمرة لا تتوقف، ولا تستنفد نفسها ولا تنحاز الى ما يُهدد معطاها الاساسي سواء كان ذلك دينياً او طائفياً، أو سياسياً، او عائلياً، او قبلياً، أو جغرافياً، أو ايديولوجياً. فهي المُتحضِن لا المحتضَن، والمستوعِب لا المستوعَب، ضمن سياقات عقلانية (ووجدانية في بعض محركاتها) ونقدية، واختبارات تحكها بالمعيش، وبالمُفكَّر وبالواقع وبالمتطَلّع والميداني والحالم… وهذا ما يكسبها مرونةً لا تحجب مناعتها ومتانةً لا تلوي طواعيتها على عتبات جديدة ومن الاكتشاف والثراء والتناقضات والحيوية. وعندما نجد في تاريخنا الحديث (أو القديم) أنّ الايديولوجيات الشتى من تاريخية ومادية ويسارية ويمينية ودينية قد حاولت تهميشها، أو كنظم "شمولية" أو كدساتير مقننة أو كدعاوى صادمة، كانت تقع كلها في اغترابية قاسية، او في اقتلاعية تصيب حتى جذورها وفروعها. صحيح ان تصادمات كثيرة وقعت بين البنى التاريخية كالماركسية أو الشيوعية أو القطرية أو الاتجاهات الغربية بهياكلها الحزبية أو الحركية، إلاّ ان هذه التصادمات اضعفت هذه البنى بقدر ما أوهنت العروبة، ذلك انها اخترعت صراعاً وهمياً بينها وبين العروبة كقومية واطار وكمنحى وكقيم، في الوقت الذي كان يمكن ان تمد جسوراً نحوها. فالقطيعة او التناقض، او التنافس تتم بين أفكار ومؤسسات مختلفة محددة في الوقت الذي تتحرك العروبة كفضاء مشرع، كحضن كثير. والتصادم قد يحدث بين بنية نهائية (مغلقة) وبين أخرى مشابهة، ولكن يصبح مفتعلاً عندما يحدث بين مثل هذه البنى وبين العروبة التي ان حُررّت في نظام حزبي او سياسي، فلكي تفيض عليه لا ان يفيض عليها، ليكون مفردة من مفرداتها، لا ان تكون مفردة من مفرداته، ليكون جزءاً من اجزائها أو احياناً امتداداً وليس العكس. وعندما كانت الصراعات تحتدم بين تلك الايديولوجيات والعروبة، واحياناً بين العروبة والعروبة، أي بين العروبة المقننة بايديولوجيا فئوية وبين العروبة المفتوحة، كان يؤدي ذلك الى اجتزاء الكل من الجزء، او الجزء من الجزء على ساحات عبثية وعلى ارضية مهتزة.

وكلنا يعلم ان القومية العربية، وهي الاطار الفكري والمادي والتاريخي للعروبة، أو الاحرى المدى "الايديولوجي" (المفتوح لها) والمعبّر عنه بالأحزاب والحركات والتجسيدات السياسية، برزت في نهايات القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن الماضي وكأنها الطليعية الاساسية القائمة على الدعوة الى الديموقراطية والحرية والتقدمية والاشتراكية والوحدوية.. والتحريرية.

وكانت بعض أحزابها تحاول بلورة هذه القيم من ضمن فضاءات وأحلام وافكار جديدة متطلعة الى كل جديد في العالم: انفتحت على الاشتراكية الغربية والديموقراطيات الغربية والتجارب الوحدوية (القومية) الغربية ونضالات الشعوب الأخرى من اجل الحرية والتحرير وكذلك الاتجاهات التقدمية والمستقبلية. فلنقل انها كانت طموحاً كبيراًَ الى نهضة شاملة في الامة العربية تجاورها حركات وأحزاب تختلف في مفاهيمها عنها وتتقاطع معها في سبل الاستنهاض والعدالة والمستقبل للخروج من أزمنة الانحطاط الى الأزمنة النهضوية الجديدة. وبهذا المعنى بدت القومية العربية في مجاورتها الافكار الأخرى، تعبّر عن اكتناز شاسع للتعددية في قبول الآخر وفي رفض المجتمعات الاحادية والشمولية. ولذا فهي المعبّرة الاساسية عن الحركات التنويرية التي عرفناها في المنتصف الاول من القرن الماضي، تلك التنويرية التي تقوم اساساً على العقلانية قبل كل شيء والوجدانية الخصبة التي لا تتناقض مع محاولة فهم الواقع وظروفه، وعلى النقد، وعل تحليل المراحل التاريخية وتحديد الاطر المفترضة في مواجهة القضايا الاساسية الاجتماعية والسياسية الفكرية والتحريرية. على هذا الاساس كانت العروبة، ومن خلال اطرها النهضوية، القومية ـ التنويرية ـ الطليعية تياراً شعبياً ونخبوياً واسعاً غير مقنن، وغير مصادر. كانت حلماً متحركاً. حياً. حراً حتى مجيء بعض احزابها وكوادرها الى السلطة عبر انقلابات دموية او غير دموية وثورات حولت كل تلك الانجازات الى انظمة متصادمة، او الى احزاب مغلقة او الى اطر استبدادية. بمعنى آخر اختزلت هذه الأنظمة التي وصلت الى السلطة بالقوة أو بالثورة كل تلك الأفكار النهضوية التنويرية، الديموقراطية وحولتها "شعارات" فضفاضة تغطي او تبرر النزعات القمعية والاستبدادية والفئوية التي تمارسها لبناء دول المخابرات والأحادية والدكتاتورية والتسلط. باتت العروبة مع هذه الأنظمة مجرد وسيلة لنفي العروبة نفسها كمنظومة قيم والقومية العربية كتجسيد فكري وسياسي لها. واذا عرفنا ان تلك المرحلة عرفت ايضاً قضاء هذه الانظمة على كل حراك سياسي آخر مختلف لصالح الحزبية الواحدة لعرفنا ان هذا المنحى لم يضع العروبة في المراتب الدنيا فقط وانما ايضاً كل طليعية برزت منذ مطالع القرن العشرين، كالأحزاب الاشتراكية أو الشيوعية او الليبرالية، أو حتى الوحدوية، من دون ان ننسى محاولتها اعدام حرية الاختلاف والتعدد والتفكير والتعبير والتفسير.

فالأنظمة قتلت افكارها لتبقى مفرغة الا من هيكليات استبدادية ومراكز قوى وجلادين واجهزة وسجون ومعتقلات. ولهذا التبست "العروبة" (كفضاء او كانتماء او كقومية) مع هذه الأنظمة بالذات، فخلط الناس بينهما، وخافوا منها وكأنها تمثل تلك الانظمة، او ان تلك الأنظمة تنتجها. واكثر: ان تفريغ المجتمعات العربية من هواجسها ومؤسساتها المدنية وادواتها الديموقراطية وتهميشها واختزالها في استفتاءات 99,99 % أو في صورة "القائد الملهم" هنا، او القائد "المظفر" هناك او الأخ الأكبر هنالك، جعل ساحاتها ممانعة والى حد كبير عن تقبل الافكار النهضوية والقومية والتقدمية التي ركبتها الأنظمة للاستيلاء على السلطة. وهذا ما جعلها على هشاشة بحيث بدت، ومن يأسها، ومن غضبها (المكبوت) ومن احباطها ومن عزلتها ان تجد ملاذاً اما في الطوائف أو في المذاهب أو في الارتداد الى اصوليات ايديولوجية أو دينية (اسلامية مسيحية) وهكذا انشرخت العروة المفترضة بين هذه الانظمة وبين الناس من دون ما يسمى جسور آليات المجتمع المدني الذي انكسر بدوره ولم يعد صالحاً ليكون جسراً بين الناس وبين الأفكار وبين الأنظمة.

فباتت الدولة العربية مجرد مكونات هلامية بلا مؤسسات ولا تراتبيات ولا خلفيات ثقافية: صارت حفنة من العساكر والمخابرات استولت تدريجياً عليه ابتداء بجبهة عريضة مزعومة تحت امرة الحزب الواحد، ثم بحزب واحد تحت هيمنة "منطقة" معينة ينتسب اليها الحكام، ثم طائفة او قبيلة معينة من "جبلة" هؤلاء، ثم طائفة او اقلية مطيفة تمسك انقاض دولة جعلتها على صورتها وعلى فراغها "المبين".

فمن دولة الجماهير الى دولة الجبهة العريضة الى دولة الحزب الواحد الى دولة المنطقة، فالى دولة الطائفة، فالى دولة السلالة.. وكل هذا يعني انفصالاً تاماً بين المخزون الفكري ـ النهضوي ـ التنويري وبين الأنظمة وكذلك بين الناس: جزر مسلوخة عن نصفها تسلمها بالعنف جدارة العسف والاجهزة والدكتاتورية والفساد. وطبعاً الهزائم التي تحولها هذه الانظمة انتصارات لها (اي للنظام ولو ذهبت الارض الى العدو) تحتفل بها في المناسبات الوطنية الدورية.

وكأّن هذه الانظمة (المتبقية) كانت تتوسل الهزائم مع العدو (اسرائيل وسواها) كشرط لبقائها. اكثر: كأن هذه الهزائم من 1967، الى 1973 (مع الاشارة الى انتصارات لم تكتمل) الى 1982، فالى الاتفاقات المشبوهة، والى التحالفات السرية والى فصل كل هزيمة عن هذا النظام او ذاك، وكأنها حققت نفسها وحدها كل ذلك ساعد مع المؤامرات التي حاكتها اسرائيل والغرب على نفي العروبة عن الاذهان والوجدان، لتحل محلها الطائفية بدلاً من القومية والرجعية بدلاً من التقدمية والتقسيمية بدلاً من الوحدوية والقدرية بدلاً من الارادية والاستسلامية بدلاً من النضالية والخوف بدلاً من الامان والغيوب بدلاً من العقلانية والهجرات بدلاً من الصمود، كل ذلك ادى الى تفتيتية، والى اخطار مست حتى الحدود العربية (لا العروبة فقط) واصابت النسائج الاجتماعية والسياسية والانتماءات مما اتاح اختراقاً في الجسم العربي من قبل قوميات اخرى، وبين اخرى تحت عناوين فضفاضة لكن باهداف تقسيمية تتعرض للدولة العربية نفسها وللشعب العربي. او ليس هذا ما حدث في فلسطين عندما "قسمت" الدولة الفلسطينية (السلطة) الى اثنتين بين حماس والسلطة.. وضعفت بذلك احتمالات قيام دولة فلسطينية واحدة حتى ضمن حدود ما قبل الـ 67. او ليس هذا ما حدث في لبنان على امتداد حروب العقود الاربعة، حيث اطلت "الانظمة" العروبية بسِجِنِ الطموحات او الغزو او الهيمنة وضربت كل المؤسسات المدنية والحزبية والنقابية.. ومعها العروبية والتقدمية والليبرالية واليمينية لتصبح الطائفية والمذهبية بديلاً من كل المخزون النهضوي والقومي والسياسي مما ادى الى "دويلات" طائفية وادارات مدنية تعمقها هيمنة الوصايات العربية من دون ان ننسى ما ارتكبته اسرائيل عبر غزوها واحتلالها من اجتزاء ومن اختراق ومن اشكال تدمير جعلها على خط موازٍ مع اهل التقسيم والرعايات العربية والاعجمية المشبوهة.

او ليس هذا ما يحدث الآن ما بين الحوثيين وبين النظام اليمني واستدراجاً الى الاعتداء على الحدود السعودية بغية احداث تقسيمات جغرافية تمس وحد الارض العربية والشعب من قبل جهات اعجمية لها مالها من اهداف وطموحات تسعى اليها عبر تفكيك الوشائج العربية بالمذهبية او بسواها.

فكأن كل ما يجري وعلى امتداد الارض العربية بات يهدد الارض نفسها (من جديد) والدولة والهوية (العروبية) وسواها من الهويات بل وباتت هذه الانظمة مكشوفة وعارية امام هذه الغزوات الصهيونية من جهة والاعجمية الجوارية من جهة اخرى، والاصوليات من هنا وهناك. بل وباتت وحيدة، هذه الانظمة، وبدات تشعر بفداحة الاخطار التي ارتكبتها عندما افرغت مجتمعاتها من كل انتماء عروبي او قومي او سياسي مختلف فباتت تشعر ان لا المخابرات ولا الاستفتاءات المزعومة ولا القمع ولا الاستمرار بسياسة الالغاء قادرة وحدها على حمايتها.

على هذا الاساس بدأت هذه الانظمة التي غذت في مرحلة من المراحل الميولَ والنوازعَ الدينية والطائفية لمحاربة العلمانية (والعروبة منها) والتقدمية، والديموقراطية.. بدأت تتدارك عبر العودة الى عباءة العروبة.. والى محاولة استنهاض الوعي الاجتماعي والانتماء وتحصين الدولة.. فهل يكون هذا التدارك بداية للعودة الى القيم النهضوية والتنويرية والتقدمية.. والعروبة المفتوحة على القيم المدنية ام ان كل ذلك… ليس اكثر من صحوة قد يعقبها نوم طويل آخر ليتسلل عبره كل من يريد شراً بهذه الامة العربية. فهل آن الاوان لنستعيد صرخة الشاعر الكبير محمود درويش: "سجِّلْ أنا عربي" ام ستصبح "العروبة" لعنة جديدة عند الذين كفروا بالانظمة، وبشعاراتها وبالنهضة وبالتنوير وبالسياسة.. لترك الساحة العربية من جديد فريسة لاعدائها؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل