أصدر "المركز اللبناني للمعلومات" الدراسة التالية حول الأزمة اليمنية:
تحوَّل الصراع القائم في اليمن بين القوات الحكومية والمتمردين الحوثيين في الشمال مرة جديدة إلى قتال ضاري لا يزال مستمرا" منذ عدة أسابيع، مما أسفر عن سقوط العشرات من الضباط والجنود وعدد كبير من المتمردين خلال أسابيع قليلة، اضافة" الى دمار هائل ونزوح أكثر من مئة ألف عن ديارهم. هذا وقد وعد الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بسحق المتمردين في حين يواصل الجيش عملياته الميدانية.
جذور الصراع
ينتمي الحوثيون إلى الطائفة الزيدية التي حكمت اليمن طوال ألف سنة حتى ثورة العام 1962. والزيدية، أقلية لا يستهان بها بين سكان اليمن البالغ عددهم 23 مليون نسمة حيث يشكل السنة معظم السكان البالغ عددهم 19 مليون نسمة، في حين يمثل الشيعة نحو 15%. تعايشت هذه الأقلية بسهولة مع الأغلبية السنية في الماضي، ولكن بدر الدين الحوثي، وهو رجل دين من محافظة صعدة الواقعة بأقصى شمال اليمن، روّج لإعادة إحياء الزيدية في السبعينات، عازفا على وتر الخوف من أن يهدد النفوذ المتزايد للسلفيين هوية الزيدية. يرفض الحوثيون النظام اليمني الحالي الذي يعتبرونه غير شرعي، ويدعون إلى إعادة حكم الأئمة الزيديين الذين أطيح بهم في الانقلاب عسكري عام 1962.
كما يدعو الحوثيون إلى استخدام العنف ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. فبعد هجمات 11 أيلول العام 2001، أعلن الرئيس علي عبدالله صالح دعمه للحرب على الإرهاب، سعيا" منه للحصول على دعم الولايات المتحدة الاميركية في مواجهة الحوثيين الذين يتهمهم بعض المسؤولين اليمنيين بأنّ لهم صلات بتنظيم القاعدة وبإيران وب«حزب الله» اللبناني. فيما يقول الحوثيون، إن الحكومة التي تلقى مساندة من الولايات المتحدة الاميركية والمملكة العربية السعودية تستهدف الزيدية عموما مما يجبرهم على حمل السلاح للدفاع عن قراهم.
بدأ الصراع بين الطرفين بعد أن أحرج الحوثيون الرئيس علي عبدالله صالح عندما رددت جموع من الشباب المؤمن والتابعة لهم هتافات معادية للولايات المتحدة الأمريكية ولإسرائيل، وذلك أثناء وجوده في مسجد بصعدة عام 2003. ويتّهم الحوثيون الرئيس اليمني بوقوفه بالكامل الى جانب الأميركيين في حربهم على الإرهاب، وقبوله بوجود قوات الكوماندوس ومئات من ضباط الجيش ووكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي على أرض اليمن.
في 8/09/2004 قتل حسين الحوثي، أحد القادة الرئيسيين، في احدى المواجهات ليندلع بعد ذلك المزيد من جولات القتال في الجبال المحيطة بمدينة صعدة، وكانت كل جولة أشد عنفا" من السابقة.
في سنة 2005 أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله الصالح عفوا" عاما" وشاملا" عن الحوثيين مقابل إلقاء أسلحتهم والنزول من الجبال كما جرى الإفراج عن مئات المعتقلين ودفع تعويضات للمتضررين الذين دمرت بيوتهم بسبب الحرب، فساد الاعتقاد أنّ الأزمة قد انتهت وطويت من دون رجعة.
توسطت قطر في وقف لإطلاق النار في حزيران 2007 لم يستمر الا لفترة قصيرة وكانت راعية" لاتفاق سلام وقع في شباط 2008، لكن سرعان ما اندلعت الاشتباكات مرة أخرى. وفي تموز من العام نفسه أعلن الرئيس صالح من جانب واحد انتهاء الحرب. إلا أن القتال استؤنف من جديد وبضراوة أكبر. وقد اندلعت المواجهات الأخيرة بعد قيام الحوثيين بتهجير حوالي خمسين يهوديا" يمنيا" من منطقة آل سالم من بيوتهم بعد اتهامهم بنشر الفساد في المنطقة وخدمة الحركة الصهيونية، الأمر الذي زاد في تأزم الوضع وساعد في إشعال الحرب من جديد. من جهته قام الرئيس اليمني بنقل العائلات اليهودية إلى العاصمة صنعاء وتوفير مساكن لائقة لهم. هذه الحادثة التي كانت الشرارة التي أشعلت لهيب الحرب بين الحكومة اليمنية والحوثيين من جديد.
الحوثيون وتطورهم التنظيمي والسياسي
ينتمي الحوثيون إلى الطائفة الزيدية الي تعود نسبتها إلى الإمام زيد بن علي. والزيدية، في الأساس، هي فرع من الشيعة أقرب في معتقداته وممارساته الدينية الى السنية والسنية الشافعية منه الى مذهب الاثني عشرية السائد عند شيعة ايران والعراق. سنة 1986 كان أول ظهور لهم حيث قام الشيخ صلاح أحمد فليته وبدعم إيراني بإنشاء "اتحاد الشباب المؤمن". وكان أعضاء هذا التيار يدرسون الثورة الإيرانية على يد محمد بدر الدين الحوثي الذي يعتبر الزعيم المؤسس للحركة الحوثية والأب الروحي لها …
بعد وحدة شمال اليمن وجنوبه عام 1990 وفي ظل التعددية الحزبية والسياسية والحرية الإعلامية في الجمهورية اليمنية ظهرت عدة أحزاب سياسية ذات توجهات مختلفة من بينها "حزب الحق" الذي كان أحد أعضائه حسين نجل بدر الدين الحوثي والذي انتخب في البرلمان العام 1993، لكنه لم يستمر طويلا في الحزب فاستقال منه وقام بتأسيس "منتدى الشباب المؤمن" سنة 1997. هذا المنتدى كان يضمّ عددا" من مثقفي المذهب الزيدي إلا أن هؤلاء لم يكونوا على وفاق مع حسين الحوثي لأسباب عقائدية، الأمر الذي أدّى إلى تصدع في التيار الواحد فتحول المنتدى إلى اسم آخر هو "تنظيم الشباب المؤمن" تحت زعامة حسين الحوثي بعدما انشق عنه المخالفون لأفكاره، وهذا التنظيم كان مدعوما" من إيران.
ومن بين الأفكار التي كان يعتنقها حسين الحوثي وأتباعه:
– على الأمة أن تكتفي بإمام يعلّمها كل ما تحتاج إليه، فهي لا تحتاج إلى دراسة الكتاب والسنة.
– يكفي أن يكون للأمة امام أو زعيم أو قائد أو قدوة وجب إتباعها والأخذ برأيها.
– تحميل بعض الصحابة فشل الأمة الإسلامية واعتبار السنة لا يعتمد عليها لأنها جاءت من طرف صحابة الرسول.
وكان الحوثي قد أصدر فتاوى دينية عديدة فيها إدانات لحكومات معظم الدول الاسلامية بأنها "غير شرعية".
ويقود الحوثيين حاليا عبد الملك الحوثي، ويتمركز تمردهم في المناطق المحيطة بمدينة صعدة عاصمة محافظة صعدة المتاخمة للحدود السعودية، وهي منطقة جبلية وعرة وفقيرة ينتمي معظم سكانها إلى الطائفة الزيدية.
التمرد الحوثي، والذي بدأت بوادره تظهر في الواقع منذ عام 2000، تشمل مطالبه المعلنة، من بين أمور أخرى، وقف الاضطهاد الذي مارسته القوات الحكومية ضده، والحصول على حقوق المواطنية الكاملة، وصرف مبالغ كافية لاصلاح البنية التحتية نتيجة الأضرار التي سببتها سنوات طويلة من القتال. الا انّ وجهة نظر الحكومة اليمنية مختلفة تماما، فبالنسبة لها، هذا التمرد دوافعه دينية وايديولوجية، وهو مدعوم من الخارج، خصوصا" من ايران.
لقد استفاد الرئيس اليمني علي عبدالله صالح قبل أحداث مسجد صعدة عام 2003، وهو ينتمي شخصيا الى الزيدية، من الحوثيين لمواجهة التيار السلفي. لكن بعد ذلك اصبحت الحكومة اليمنية تعتبر "جماعة الشباب المؤمن" جماعة أصولية تهدف إلى تخريب الدولة وإعادة الإمامة الزيدية.
طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران:
أظهرت إيران تضامنا" كبيرا" تجاه الحوثي وأتباعه، إذ صدر بيان من مجموعة من علماء الدين في إيران يحتجون فيه على ما أسموه بالمجازر التي ترتكب ضد الشيعة في اليمن. كما طالب متظاهرون كانوا مجتمعين أمام السفارة اليمنية بطرد السفير اليمني من طهران وتغيير اسم الشارع الذي تقع فيه سفارة اليمن إلى اسم الحوثي.
تمكّنت إيران من اختراق الجماعات الزيدية داخل المجتمع اليمني حيث بثت مبادئ وأفكار الأثني عشرية التي برز من خلالها "تنظيم الشباب المؤمن" بزعامة حسين الحوثي وبالتالي استغلّت إيران هذا التنظيم وأعادت صياغته من خلال أفكارها وما يناسب توجهها ومبادئها. وتبلور هذا الأمر في الزيارات التي قام بها أفراد من تنظيم الحوثيين إلى طهران عبر مراحل زمنية مختلفة بهدف التدريب والتنظيم.
لذلك يربط البعض بين تمرّد الحوثيين والمشروع الايراني في المنطقة الذي وجد فرصته الذهبية في اطاحة أكبر خصمين لطهران (صدام في الغرب وطالبان في الشرق)، مما جعل بعض الساسة العرب يحذرون من"الهلال الشيعي".
وزير الاعلام اليمني حسن أحمد اللوزي اتهم في مؤتمر صحافي عقده الثلاثاء 18 آب الماضي ايران من دون ان يسميها بدعم المتمردين الحوثيين الشيعة في شمال البلاد. وهذه ليست المرة الاولى التي يتهم فيها اليمن ايران بدعم المتمردين. فقد سبق ان فعل ذلك في ربيع 2007 واستدعى السفير اليمني في طهران على سبيل الاحتجاج.
هل تحوّل اليمن الى حلبة للصراع السعودي- الإيراني؟
"حديث الإعلام الإيراني عن مشاركة الطيران السعودي نظيره اليمني في الهجوم على المتمردين الحوثيين".. "اتهام الإعلام السعودي لإيران بالتدخل المباشر في شؤون اليمن الداخلية".. "إعلان السلطات اليمنية اكتشاف مخازن لأسلحة إيرانية الصنع في مواقع الحوثيين".. "بوادر اشتباكات طائفية بين السلفية والحوثيين الشيعة في صعدة"…
كلها شواهد يرى محللون يمنيون أنها دليل على تحوّل اليمن إلى حلبة جديدة للمواجهة بين السعودية وإيران في المنطقة، من خلال دعم إيران للمتمردين الحوثيين الشيعة في محافظة صعدة، لتعزيز نفوذها في العالم العربي، عبر الحصول على موطئ قدم على حدود السعودية وساحل البحر الأحمر.
ويؤكّد البعض أنّ السعودية في المقابل "تدافع بقوة عن نفوذها في منطقة الخليج، ولا تريد أن تقع بين كماشة النفوذ الإيراني على حدودها مع العراق، وعلى حدودها الجنوبية الغربية من ناحية اليمن، فضلا عن أنها تدرك مساعي إيران في البحث عن أوراق تخدمها عندما تحين ساعة الحوار مع الولايات المتحدة حول ملفها النووي".
كما يتجلّى هذا الصراع اعلاميا" بتبادل الاتهامات عبر وسائل الاعلام الايرانية من جهة واليمنية السعودية من جهة اخرى.
صحيفة "الوطن" السعودية كتبت في 17-8-2009: "كانت الحركة الحوثية في اليمن بحاجة إلى ذراع إعلامية فتبرعت قناة (العالم) الإيرانية بأن تلعب الدور". وأضافت الصحيفة: "تكشف القناة الإيرانية بكل وضوح أنّ السياسة الإيرانية انتقلت نحو بؤرة إيرانية جديدة في خاصرة العالم العربي. بعد (حركة) حماس و(جماعة) حزب الله، انتقلت إيران من مربع الشكوك إلى دائرة اليقين لمن لم يزل في ظنون وأوهام من لعبة إيران الكبرى في خريطة العالم العربي".
فهل اصبح الحل في صعدة مرهونا" بتوافق سعودي- إيراني خصوصا" ان البعض يعتبر ان التوسع الحوثي نحو البحر الأحمر يهدف الى إيجاد موطئ قدم إيراني على ساحل البحر الأحمر ذي الأهمية الإستراتيجية في حركة الملاحة الدولية، ليصبح ورقة جديدة في حوزة طهران تستفيد بها في مفاوضاتها مع الأمريكيين حول ملفها النووي.
هل لحزب الله والحرس الثوري علاقة بما يجري؟
كشفت معلومات استخباراتية أوروبية النقاب، حسب صحيفة "المحرر العربي"، أنّ وراء الهجمة الإعلامية الإيرانية الرسمية على المملكة العربية السعودية واليمن من خلال اتهام السعودية بإرسال مقاتلات حربية لضرب مواقع هؤلاء في أكثر من موقع وبحدة، سقوط عدد من عناصر الحرس الثوري الإيراني ومن مقاتلين لـ«حزب الله» اللبناني قتلى وجرحى تحت ضربات القوات المسلحة اليمنية. ويقوم هؤلاء منذ مطلع هذا العام بتدريب مجموعات تابعة للحوثي في عشرات المواقع التي يسيطرون عليها، ويديرون رادارات المدفعية الثقيلة والصواريخ قصيرة المدى التي أرسلتها إيران إلى هناك، وفشل الحوثيون في استخدامها حتى الآن.
وقالت المعلومات التي يبدو أنها صادرة عن الاستخبارات الألمانية، إن »أربعة من عناصر «حزب الله» اللبناني بينهم قائد ميداني جرى تشييع جثامينهم خلال الأشهر الثلاثة الماضية في الضاحية الجنوبية من بيروت وفي الجنوب، من دون ذكر كيفية قتلهم أو مكانه، كانوا سقطوا خلال المعارك في اليمن بنيران المدافع والطائرات الحكومية في محافظة صعدة المشتعلة».
وأكدت المعلومات، ودائما" بحسب الصحيفة، أنّ «المراقبين العسكريين الغربيين في أوروبا والولايات المتحدة، كانوا فوجئوا بالعمليات القوية التي يشنّها الحوثيون اليمنيون على القوات الحكومية وعلى السكان الآمنين بتهمة تعاملهم معهم، وبأنواع الأسلحة الحديثة التي يستخدمونها منذ أشهر عدة في المواجهة العنيفة، وبالكفاءات الجديدة القتالية لعناصر من الحوثيين. وقد أدركوا أخيراً أن هذا التغيير في ميزان القوى مبعثه وصول مدرّبين من «حزب الله» اللبناني ومشرفين على إدارة الأسلحة الثقيلة من الحرس الثوري الإيراني إلى المناطق الجبلية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. وقد أبلغت بعض الدول الغربية والعربية الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بوجود هؤلاء في بلده، ما حمله على تصعيد عمليات جيشه واستخدام أسلحة أكثر تطوراً، فعلت فعلها بشكل ناجح حيث سقط للحوثيين عدد كبير من القتلى والجرحى بينهم عدد من عناصر الحزب والحرس الإيرانيين، ما اضطرّ طهران إلى كشف تدخلها علناً في اليمن عبر اتهام السعودية بمشاركة الجيش اليمني جواً ضرب معاقل الحوثيين وإصابة عناصرها هناك».
الى اين يتجه الصراع؟
بحسب صحيفة "المحرر العربي"، فانّ عشرات القبائل اليمنية تتقاطر بأسلحتها وعتادها من مختلف أنحاء اليمن، في ما يبدو أنها استعدادات واسعة النطاق لشن حملة عسكرية نهائية وحاسمة من الجيش وفئات الشعب الخائفة على مكاسب الثورة اليمنية قد تبدأ في مطلع أيلول الحالي، للقضاء على هذا التمرّد الذي اتخذ طابعاً شديد الخطورة خصوصا" بعدما أرسلت طهران مدربين من الحرس الثوري للإشراف على عشرات الأطنان من الأسلحة الثقيلة والذخائر.
وتفيد المعلومات الاستخبارية الأوروبية ذاتها أن «القيادة العسكرية للقوات الأميركية في الشرق الأوسط، ومقرّها الكويت حالياً، باشرت إرسال أسلحة ومعدات متطورة إلى الحكومة اليمنية منذ مطلع آب الماضي. كما أن قيادة قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان أرسلت بدورها أسلحة ومعدات إلى اليمن خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وهناك توجّه من القيادتين لتزويد حكومة صالح بأسراب من طائرات الهليكوبتر المقاتلة قد تبدأ بالوصول إليه في أوائل الشهر المقبل».
فبين خيار الحوثيين بالخضوع للسلطة أو باتهامهم بالتواطؤ مع إيران يمرّ اليمن في أيام مصيرية مفتوحة على عدة احتمالات وقد تهدّد وحدة البلاد في حال لم تنجح السلطات العسكرية والسياسية الشرعية في حسم الوضع ومعالجة أسبابه ونتائجه.