أصدر "المركز اللبناني للمعلومات" الدراسة التالية حول الأزمة اليمنية:
شكّل اندلاع القتال على الحدود السعودية اليمنية تحولا" جديدا" في مسار الأزمة المستمرة في اليمن منذ عدة شهور، مما قد يجعل تفاقم الأحداث وتطورّها يهدّد المنطقة بأسرها. ويمكن هنا التساؤل عن المانع من تمدّد الأحداث الى دول أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة، وبعض دول أفريقيا المجاورة مثل الصومال الذي يعرف وضعا" سياسيا" وأمنيا" هشا". فتشجيع ايران ووقوفها خلف الصراعات في اليمن والصومال، يشكّلان تهديدا" للملاحة في البحر الأحمر، وأيضا" للمنطقة بأسرها مع تأثير ايران على عدد من التنظيمات من افغانستان الى اليمن، بما في ذلك تنظيم القاعدة، بالرغم من غياب أي أيديولوجية دينية تجمعها معه، باستثناء تلاقيهما حول هدف مشترك هو مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في المنطقة.
الإعتداء الحوثي على الأراضي السعودية والردّ السعودي الحاسم
اجتاز المقاتلون الحوثيون الحدود السعودية وأعلنوا الإستيلاء على جبل الدخان. أرسلت السعودية قواتها لتحرير أراضيها من المعتدين ودارت اشتباكات عنيفة أدّت الى استعادة جبل الدخان وهي لا تزال مستمرة حتى اليوم وإن بوتيرة متفاوتة. وكان الأمير خالد بن سلطان بن عبد العزيز مساعد وزير الدفاع والطيران والمفتش العام للشؤون العسكرية السعودية أعلن في 10 تشرين الثاني الماضي أنّ الهجوم السعودي سيتواصل إلى أن يدحر المعتدون بعيدا" عن الحدود.
هذا ويسود اعتقاد، بحسب صحيفة الحياة في عددها الصادر في 14 تشرين الثاني، أنّ طهران هي التي شجّعت المسلحين الحوثيين على انتهاك سيادة الأراضي السعودية بهدف إحراج المملكة ودفعها الى الرد لتوريطها بحرب استنزاف طويلة على حدودها الجنوبية الغربية، تشغلها عن الإهتمام بالأوضاع في بلدان أخرى مثل فلسطين ولبنان والعراق، الأمر الذي يسمح لطهران بٳرساء دور أكبر لها في المنطقة.
ومع اعلان اليمن اعتراض سفينة ايرانية تحمل سلاحا" الى الحوثيين، بدأت السفن الحربية السعودية، وبالتنسيق مع القيادة اليمنية، بفرض نوع من حصار بحري لمنع الٳمدادات العسكرية من الوصول الى الحوثيين. وهي تقوم، لأجل ذلك، بدوريات قبالة الساحل الشمالي لليمن، وبتعزيز جوي، لمنع وصول الأسلحة والإمدادات للمتمردين بحرا". يذكر هنا أنّ صحيفة السفير أشارت في عدد 9 تشرين الثاني الى أنّ مصادر اسرائيلية أكدت أن قوات من الحرس الثوري الأيراني تتموضع في مدينة صعب الأريترية، وتقوم بنقل السلاح منه الى الحوثيين في اليمن.
هذا ويبدو، بحسب جريدة القبس الصادرة في 14 تشرين الثاني، أنّ المملكة العربية السعودية تعمل على فرض منطقة عازلة، خالية من السكان، وبعمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي اليمنية لإبعاد المتمردين عن الحدود مستخدمة" لذلك سلاح الجو والمدفعية.
مظاهر التدخل الٳيراني في الأزمة اليمنية
في 10 تشرين الثاتي الماضي حذر وزير الخارجية الأيرانية منوشهر متقي من التدخل في شؤون اليمن الداخلية، وأعلن "استعداد ايران للتعاون من أجل حل مشكلات اليمن". علّقت بعض الصحف الخليجية على هذا الموقف واعتبرته تحريضا" سافرا" لشيعة اليمن ضد دولتهم يشجعهم على الاستقواء بالخارج، ويدفع نحو المذهبية. وقد جددت اليمن اتهامها لإيران بالمسؤولية عن دعم تمرد الحوثيين في شمال البلاد.
هذا وأكّد الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أنّ حركة التمرد الزيدية تسعى إلى اقامة "شريط شيّعي" يؤمن بالمبادئ الإيرانية على طول الحدود اليمنية السعودية. وأنّ المتمردين الحوثيين الذين يقاتلون الجيش اليمني للسيطرة على محافظتي صعدة وعمران حيث الحرب مستعرة "يركضون في اتجاه الغرب من أجل أن يكون لهم باع على البحر الأحمر".
مصادر مصرية وعربية كشفت لصحيفة "الشرق الأوسط" في عددها الصادر الاحد 13 كانون الاول، عن أن أجهزة استخباراتية عدة في المنطقة رصدت أخيرا ما وصفته باجتماع سري ورفيع المستوى عُقد أخيرا داخل الأراضي اليمنية بين مسؤول الحرس الثوري الإيراني وقياديين من "حزب الله" والمتمردين الحوثيين في اليمن بهدف تنسيق العمليات المشتركة ووضع خطة لتصعيد الموقف العسكري على الحدود السعودية اليمنية. وقالت هذه المصادر، إن الاجتماع الذي عقد الشهر الماضي بالفعل يعتبر أبرز دليل على تورط إيران المباشر في دعم الحوثيين ماديا" وعسكريا" ولوجستيا".
واعتبرت أن الاجتماع الذي تم رصده من قبل أجهزة استخباراتية عربية وغربية مَثَّل أخطر تحرك إيراني على الإطلاق على خط العمليات العسكرية التي يشنها الحوثيون سواء داخل الأراضي اليمنية أو على الحدود السعودية اليمنية.
ولفتت المصادر نفسها إلى أن تلقي الحكومة اليمنية معلومات عن التئام هذا الاجتماع دفعها إلى إعلان رفضها للمرة الثانية استقبال منوشهر متقي الذي سبق أن اعترف ضمنا" بعلاقات إيران مع المتمردين الحوثيين.
إنّ امتداد المعارك الى الحدود السعودية والطلب الٳيراني بعدم التدخل في اليمن، ثم عرضها المساعدة في إرساء الأمن فيه، وظهور صلتها بما يحدث، يكشف عمق الصراع في المنطقة وخطورة الأزمة التي يمكن أن تدفع اليها إيران من أجل فرض دور سياسي وأمني لها في منطقة الشرق الأوسط يساعدها في المفاوضات مع المجتمع الدولي على ملفها النووي. فالتمدّد الإيراني ببعده الإقليمي وأدواته المتعددة بات أمرا" واقعا" على امتداد المنطقة من العراق إلى لبنان وغزة ومؤخرا" اليمن.
ما هي حقيقة مشاركة "حزب الله" في الحرب الجارية حاليا" في اليمن؟
تصريحات عديدة ومعلومات من مصادر مختلفة، عربية ودولية، تجزم بأنّ "حزب الله" اللبناني يشارك في الحرب الجارية حاليا" في اليمن. فالرئيس اليمني علي عبدالله صالح أكّد في مقابلة أجرتها معه القناة التلفزيونية السعودية "أم بي سي" ونشرت نصّها "وكالة الأنباء اليمنية" (سبأ) يوم الإثنين 19 تشرين الثاني الماضي، أنّ المتمرّدين الحوثيين في شمال اليمن يتلقون تمويلاً من "مرجعيات إيرانية"، غير أنّه استطرد قائلا": "نحن لن نتهم السلطة في إيران كسلطة". ولكنه اشار إلى أنّ تدريب المقاتلين الحوثيين "ليس تدريبا" عاديا" وإنما تدريب على طريقة ما يقوم به "حزب الله" في جنوب لبنان"، لافتا" إلى ورود "بضع معلومات عن وجود بعض المدّربين من "حزب الله" من جنوب لبنان في صعدة.
كما كشف مصدر عسكري في الجيش اليمني أنّ ثلاثة خبراء لبنانيين من "حزب الله" اللبناني قتلوا في المواجهات الدائرة بين القوات الحكومية والمتمردين الشيعة في محافظة صعدة شمال البلاد. وقال هذا المصدر، الذي تناقلت معلوماته وكالات أنباء عدة: "إن ثلاثة لبنانيين يعملون كخبراء متفجرات قتلوا في قصف للطيران في منطقة بني عريج في الملاحيظ في محافظة صعدة".
صحيفة "النهار" اللبنانية أوردت بتاريخ 13 كانون الاول نقلا" عن صحيفة "أرغومنتي" الروسية خبرا" يفيد بأنّ "مسلحين مدربين من "حزب الله" وحركة شيعية مسلحة، تسمّي نفسها "طالبان" في باكستان وأفغانستان، يقاتلون إلى جانب المسلحين الحوثيين في اليمن، ومعهم متطوعون إيرانيون".
التحوّل الإستراتيجي للأحداث
يشكّل التسلل الحوثي داخل الأراضي السعودية وضلوع "حزب الله" مباشرة" بالحرب في اليمن، في حال ثبت ذلك، تطوّرين سياسيين لهما معاني كبيرة، لأنهما يبيّنان مدى أهمية حرب اليمن بالنسبة للسياسة الخارجية الإيرانية، ويؤكدان ايضا" أنّ دور "حزب الله" يتخطى لبنان ليشكّل ذراع إيران العسكرية في الخارج.
كما تشكّل هذه التطورات نقلة نوعية مهمّة في هذا الصراع الذي بدأ يتحوّل من مجرد حرب أهلية أو مذهبية، الى صراع ذي أهمية استراتيجية وذلك لأسباب عديدة:
- فمن ناحية التوقيت، يجري الصراع في الوقت الذي تشتدّ فيه المفاوضات حول الملف النووي الإيراني والتي تحاول إيران من خلالها انتزاع اعتراف بدور رئيسي لها في المنطقة.
- من حيث المكان، يجري هذا الصراع في منطقة لها أهمية استراتيجية على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، وعلى مقربة من البحر الأحمر، مع كل ما يعني ذلك بالنسبة للملاحة فيه، وللنفط ولأمن المنطقة، لا سيما بالنسبة لإسرائيل.
- من الناحية الأمنية، لإنّ عدم حسم الوضع العسكري بسرعة، لا سيما على الحدود السعودية اليمنية سيكون مقلقا" لمجمل أمن الخليج. والجدير معرفته أنّ اليمن دولة فقيرة، ونظامها المركزي غير قوي وجيشها غير مجهّز، وفيها أسباب صراعات مذهبية وقبلية ومناطقية عديدة، كما أنّ فيها مناطق وعرة جدا" شبيهة بجبال أفغانستان وباكستان، مما يجعل من الصعب جدا" حتى على الجيوش المتطوّرة، أن تقضي على مجموعات متحصنة أو مختبئة فيها.
- أما على الصعيد الٳقتصادي، فٳنّ استمرار هذا الصراع ستكون له حتما" تداعيات يصعب التكهن بها، على مجمل التوازنات في المنطقة وعلى سوق النفط وربما على الإقتصاد العالمي.
وأيضا" من ضمن هذه القراءة الاستراتيجية للأحداث، لا بدّ من ذكر فقدان القوات الجوية اليمنية في أسبوع واحد طائرتين: الأولى من طراز "ميغ 21"، والثانية من طراز "سوخوي 22". وكانت تقارير استخباراتية اسرائيلية قد ادّعت قبل أيام قليلة من ذلك انّ "حزب الله" تمكّن من إدخال أنظمة صواريخ أرض- جو متطوّرة إلى منطقة صعدة في الأيام الأخيرة من شهر أيلول الماضي.
وفي حال تأكّد صحة هذه المعلومات، فٳنّ ذلك سيشكل تهديدا" جديدا" للطيران العسكري ليس فقط اليمني، والذي ليس له أهمية استراتيجية في التوازنات القائمة في المنطقة، بل لسلاح الجو السعودي، وهو أساسي في ضمان أمن واستقرار الخليج، ولسلاح الجو الأميركي المتواجد بكثافة في سماء المياه المحيطة باليمن (البحر الأحمر، باب المندب، وخليج عدن) وعلى سلاح الجو الإسرائيلي الذي يتواجد في سماء البحر الأحمر بشكل شبه يومي.
هذا وتتوجّه الأنظار الى أداء القوات المسلّحة السعودية حيث تخوض المملكة أول تجربة حربية منفردة منذ ان شاركت عام 1991 مع قوات التحالف الدولي في تحرير الكويت عقب احتلالها من قبل القوات العراقية، خصوصا" انّ القوات المسلّحة السعودية تقود ما يعرف ب"درع الجزيرة"، وهي المؤسسة العسكرية التي تضمّ جيوش مجلس التعاون الخليجي الستة. فبعدما أثبتت المملكة قدرة كبيرة في القضاء على "تنظيم القاعدة" في الداخل السعودي سيكون لأدائها الحالي اهمية كبرى لمعرفة الميزان الجديد للقوى العسكرية في المنطقة بين المدافعين عن المصالح العربية في مقابل الطموحات الايرانية.
فالسعودية تجد نفسها مضطرة" للدفاع عن حدودها، وايضا" عن القضايا العربية، وأن تملأ الفراغ الذي أحدثه سقوط العراق وما أعقبه من تمدد إيراني.
باختصار يمكن تشبيه العلاقة الحالية بين الرياض وطهران بأكثر من حرب باردة، فهي تكاد تتحوّل الى مواجهة مباشرة.
والجدير معرفته أنّ المعارك في جبال دخان والعارضة والرميح والردّة تدور على امتداد 40 كيلومترا" وعمق عشرة كيلومترات، وفي أرض صعبة ووعرة، وهي لذلك ستكون محكّا" حقيقيا" لنوعية المقاتل السعودي الحقيقية ومختبرا" لأسلحته ومعداته وطائراته ودباباته وصواريخه التي تعتبر الأحدث في المنطقة.
الخلاصة
ٳنّ الإعتقاد السائد حاليا" هو أنّ ايران، ومن خلال سعيها لتوتير الأوضاع في عدة مناطق من العالم العربي (العراق، لبنان، فلسطين، اليمن وأفريقيا)، تهدف الى انتزاع دور بارز لها ومعترف به كقوة اقليمية نووية. وهذا التوتر مرشح للتصاعد طالما لم يتمّ التوصل لٳتفاق على حل للملف النووي الايراني، مما سيجعل الأوضاع في المنطقة مفتوحة على كافة الإحتمالات.
في هذا الوقت، وبالرغم من أنّ معظم الدول العربية قد أدانت الإعتداء الحوثي على أراضي المملكة العربية السعودية، الا أنّه لم يسجّل حتى الآن، أيّ موقف عربي جامع وموحّد تجاه إيران وتدخلها في الشؤون اليمنية وفي عدة مناطق عربية أخرى، مثل جزر الإمارات ومصر ( الخلايا التابعة لحزب الله) وجبل الدخان السعودي وغيرها. هذا التخاذل العربي يجعل المملكة العربية السعودية تحمل لواء مواجهة المشروع الٳيراني، ومن الطبيعي أن يعزز ذلك مستقبلا" عملية الاصطفافات في المنطقة، مع التفاقم المتوقع للأحداث، بين مساند للمشروع التوسعي الإيراني وداعم لخط الدفاع السعودي عن الأمة العربية ومصالحها.
كما أنّ الكلام عن تورّط "حزب الله" اللبناني في هذه الأحداث، وفي حال تمّ تأكيده، لا بدّ أن يكون له تداعيات خطيرة على الحزب وعلى مستقبل الوضع في لبنان، لأنّه سيجعل الحزب مكشوفا" على أي استهداف أمني أو عسكري قد تفرضه تطوّر الأحداث في المنطقة على المدى القصير أو المتوسط، وعلى خلفية الملف النووي الايراني.