قبل مباشرة البحث في وضع استراتيجية دفاعية
الحكومة مدعوّة إلى بتّ مصير معاهدة الأخوة مع سوريا
بعدما تقررت مراجعة الاتفاقات الثنائية القائمة بين لبنان وسوريا بصورة موضوعية ووفق اقتناعات مشتركة بما ينسجم مع التطورات الحاصلة في العلاقات بين البلدين ويستجيب مصلحة الشعبين، فان أوساطاً رسمية وسياسية ترى ان تبدأ المراجعة بمعاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق، لان هذه المعاهدة التي اقرت عام 1991 انشأت المجلس الاعلى اللبناني – السوري، وتم استنادا اليها توقيع اتفاق الدفاع والامن، لان تقرير مصير هذه المعاهدة مرتبط بموضوع الاستراتيجية الدفاعية عندما يطرح على طاولة الحوار لدى انعقادها. ولا يمكن فصل هذا الموضوع عن مضمون المعاهدة كونها تنص على الآتي: “تعمل الدولتان اللبنانية والسورية على تحقيق اعلى درجات التعاون والتنسيق بينهما في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والامنية والثقافية والعلمية وغيرها بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في اطار سيادة كل منهما واستقلاله وبما يمكن البلدين من استخدام طاقاتهما السياسية والاقتصادية والامنية لتوفير الازدهار والاستقرار ولضمان امنهما القومي والوطني وتوسيع مصالحهما المشتركة وتعزيزها تأكيدا لعلاقات الاخوة وضمانا لمصيرهما المشترك".
ونصت المعاهدة في مادتها الثالثة على ان "الترابط بين امن البلدين يقتضي عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا وسوريا لأمن لبنان في اي حال من الاحوال، وعليه فان لبنان لا يسمح بان يكون ممرا او مستقرا لاي قوة او دولة او تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا، وأن سوريا الحريصة على أمن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق ابنائه لا تسمح بأي عمل يهدد أمنه واستقلاله وسيادته".
وتقوم السياسة الخارجية العربية والدولية للدولتين بموجب المادة الخامسة من المعاهدة على ان "لبنان وسوريا بلدان عربيان ملتزمان ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي والتعاون الاقتصادي المشترك وجميع الاتفاقات المبرمة في اطار الجامعة، كما انهما عضوان في الامم المتحدة وملتزمان ميثاقها وعضوان في حركة عدم الانحياز، ويساعد كل منهما الآخر في القضايا التي تتعلق بأمنه ومصالحه الوطنية، وان عليهما تنسيق سياساتهما العربية والدولية وتحقيق اوسع التعاون في المؤسسات والمنظمات العربية والدولية وتنسيق مواقفهما تجاه مختلف القضايا الاقليمية والدولية وتشكيل الاجهزة التالية لتحقيق اهداف المعاهدة:
1 – المجلس الاعلى اللبناني – السوري الذي يجتمع مرة كل سنة وعندما تقتضي الضرورة في المكان الذي يتم الاتفاق عليه، ويضع هذا المجلس السياسة العامة للتنسيق والتعاون بين الدولتين في المجالات السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية وغيرها، ويشرف على تنفيذها. كما يعتمد الخطط والقرارات التي تتخذها هيئة المتابعة والتنسيق ولجنة الشؤون الخارجية ولجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ولجنة شؤون الدفاع والامن او اية لجنة تنشأ في ما بعد. وتكون قرارات المجلس الاعلى إلزامية ونافذة المفعول في اطار النظم الدستورية في كل من البلدين، (هذه الفقرة اضيفت بطلب من الجانب اللبناني).
2 – يحدد المجلس الاعلى المواضيع التي يحق للجان المختصة اتخاذ قرارات تكتسب الصفة التنفيذية بمجرد صدورها عنها وفقا للنظم والاصول الدستورية في كل من البلدين او في ما لا يتعارض مع هذه النظم والاصول.
3 – تشكل لجنة شؤون الدفاع والامن من وزيري الدفاع والداخلية في كل من الدولتين وتختص بدرس الوسائل الكفيلة بالحفاظ على امن الدولتين واقتراح التدابير المشتركة للوقوف في وجه اي عدوان او تهديد لأمنهما القومي او اية اضطرابات تخل بالامن الداخلي لاي من الدولتين وتعرض جميع الخطط والتوصيات التي تعدها هذه اللجنة على المجلس الاعلى لاقرارها مع مراعاة الاصول الدستورية في كل من البلدين.
واستنادا الى معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا تم التصديق على اتفاق الدفاع والامن في تاريخ 17/8/1991 وهو ينص على الآتي: “انطلاقا من الروابط الاخوية المميزة التي تربط بينهما والتي تستمد قوتها من جذور القربى والتاريخ والانتماء الواحد والمصير المشترك والمصالح المشتركة وحماية امنهما القومي والوطني وتوفير الازدهار والاستقرار وتمكينهما من مواجهة جميع التطورات الاقليمية والدولية يمنع اي نشاط او عمل او تنظيم في كل المجالات العسكرية والامنية والسياسية والاعلامية من شأنه إلحاق الاذى والاساءة للبلد الآخر والتزام كل من الجانبين عدم تقديم ملجأ او تسهيل مرور او توفير حماية للاشخاص والمنظمات الذين يعملون ضد امن البلد الآخر، وفي حال لجوئهم اليه، يلتزم الجانب الآخر القبض عليهم وتسليمهم الى الجانب الثاني بناء على طلبه. ولكي تتمكن الاجهزة العسكرية والأمنية في كل من البلدين من القيام بمهماتها، فانها تنسق اجتماعاتها الدورية في كل من البلدين لاجراء تبادل المعلومات التي تشمل كل قضايا الامن القومي والداخلي بما في ذلك قضايا المخدرات والارهاب والتجسس، والعمل على متابعتها ومعالجتها في كلا البلدين او في الخارج مع المؤسسات الدولية عند الاقتضاء.
وتقوم وزارتا الدفاع في البلدين والاجهزة المعنية في كل منهما باجتماعات دورية لتبادل المعلومات حول كل ما يهم امن البلدين، وكل النشاطات المعادية بغية الوصول الى رؤيا مشتركة للاخطار وابعادها ووضع الخطط الكاملة على مختلف المستويات لمجابهتها”. لذا ترى الاوساط نفسها انه ينبغي مراجعة نص معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا التي انشأت المجلس اللبناني – السوري واستند اليها اتفاق الدفاع والامن بين البلدين واتخاذ قرار في هذا الشأن قبل مباشرة البحث في وضع استراتيجية دفاعية. لان الابقاء على هذه المعاهدة يفرض البحث في وضع هذه الاستراتيجية مع سوريا لان مصيرهما مشترك وتهديد الامن القومي هو تهديد لامن كل منهما. فلا يعقل، والحالة هذه، ان يحضّر لبنان وحده لمواجهة مع اسرائيل فيما سوريا تحضر نفسها لمفاوضات سلام. فالمطلوب اذاً بت مصير المعاهدة مع سوريا وما تضمنته وذلك اما بتأكيد الابقاء عليها او تعديل بعض نصوصها او ابطالها كي يبنى عندئذ على الشيء مقتضاه، فاذا صار الابقاء عليها، فان الاستراتيجية الدفاعية ينبغي ان توضع بالاتفاق مع سوريا عملا بما نصت عليه المعاهدة، اما اذا عدلت او ابطلت فانه يصير في امكان لبنان التصرف واتخاذ التدابير والاجراءات التي يريد لمواجهة اسرائيل ذلك ان المعاهدة المعقودة بين لبنان وسوريا يشكل تطبيقها شبه "كونفيديرالية" بين الدولتين.
يقول الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني – السوري نصري خوري في حديث سابق له ان معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق تتمتع بقوة قانونية تفوق قوة الدساتير وان تعديلها يتطلب موافقة الطرفين وان الحكومات في البلدين تتحمل مسؤولية عدم تنفيذ الاتفاقات المشتركة.
والسؤال المطروح هو: هل تبادر الحكومة اللبنانية الى بت مصير المعاهدة بين لبنان وسوريا قبل ان تباشر البحث في موضوع الاستراتيجية الدفاعية المرتبطة بمصير هذه المعاهدة؟