لا مخاوف جدية لدى طهران من المفاوضات لتلاقي مصالحها مع دمشق
حماية موقع "حزب الله" تبقي التحالف السوري – الايراني ثابتاً
في غمرة الحركة الاقليمية والعربية الاخيرة، توقف بعض المراقبين عند اعلان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد خلال استقباله رئيس مجلس الشعب السوري محمود الابرش ان "المقاومة الايرانية السورية على اعتاب النصر وان ايران وسوريا ستواصلان كما في السابق مسيرتهما في جبهة الصمود ومحاربة الاستكبار العالمي".
وبدا هذا الموقف الايراني بالنسبة الى هؤلاء المراقبين بمثابة رد على حركة عربية تحاول أن تلم شمل الدول العربية وحتى التنظيمات العربية بما فيها حركة "حماس" اخيرا، كما تحاول أن تستعيد الانفتاح على سوريا واستيعابها وابعادها عن ايران، وهو الامر الذي خلف انطباعات ان ايران تخشى أبعاداً أو ابتعادا سوريا عنها، احد ابرز مظاهره احتمال معاودة سوريا المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل قريبا عبر تركيا، فضلا عن المساعي التركية والسعودية لابعاد سوريا عنها، والتي تردد ان احد اثمانها هو التسليم بعودة نسبية للنفوذ السوري الى لبنان، علما ان التقارب السوري مع تركيا ومع المملكة يعزوهما كثر الى اسباب تتعلق بتأمين العاصمة السورية لنفسها غطاء سنيا لحماية نظامها وعدم الاكتفاء بالدعم الذي توفره ايران الشيعية وحدها.
فهل ثمة قلق ايراني حقيقي من هذه المسألة في ضوء لمّّ الشمل العربي الذي يعكس في احد وجوهه انزعاجا كبيرا من التوسع الايراني في المنطقة كما في ضوء العقوبات الدولية المرتقبة خلال الشهر المقبل نتيجة التشدد الايراني في التفاوض حول الملف النووي؟ وما هو مدى هذا القلق؟
بعض المصادر يقول ان العنصر الاهم في التحالف السوري مع ايران، وليس العنصر الوحيد، يكمن في حماية سوريا الوضع المتقدم لايران على حدود اسرائيل، اي في جنوب لبنان، والذي يشكل قيمة استراتيجية بالنسبة الى ايران. وما دامت هذه القيمة محمية، فلا تعتقد هذه المصادر ان ثمة مشكلة لدى ايران في ان تتحرك سوريا في اتجاه المملكة العربية السعودية او في اتجاه مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل. فعناصر التقارب او تحسين سوريا علاقاتها مع الغرب تحت عنوان رغبتها في السلام ليس أمراً يزعج ايران أو يقلقها، انطلاقا من جملة أمور لعل أهمها ان سوريا ضعيفة في المنطقة تعني ضعفا لايران، في مقابل أن تكون سوريا مرتاحة، مما يؤدي عمليا الى تقوية موقف ايران. وما دامت سوريا مستمرة في حماية القيمة الاستراتيجية لايران في لبنان، فليس لدى ايران الشيء الكثير لتقلق ازاءه، خصوصا ان سوريا عمدت في الحركة الاخيرة التي ادت الى تدخلها من اجل تسهيل تأليف الحكومة، ليس الى اراحة الحزب فحسب، بل الى المحافظة على احتضانه من الحكومة الشرعية وتسهيل مشاركته في الحكومة على قواعد مريحة بالنسبة اليه من دون كلفة كبيرة، بحيث تدفع سوريا مثلا ثمن عزل على الصعيد السياسي او الاقتصادي. واكثر، تعتقد هذه المصادر ان الظروف في المنطقة ساعدت سوريا في ان تحمي الحزب عبر علاقاتها الجيدة مع العرب والغرب على حد سواء، فضلا عن مساهمتها في تدعيم موقعه في اللعبة الداخلية الى حد بعيد. وهذا الامر لم يتحقق بسبب 7 ايار بمقدار ما تحقق واتخذ صفة شرعية عبر التقارب العربي – العربي والسوري – الغربي تحت عنوان حماية لبنان بعدما استخدمت الساحة الداخلية فيه رهينة لتحقيق هذا الغرض الذي يحقق اهدافا سورية ايضا من حيث استعادة سوريا نفوذها في لبنان، عبر مرحلة انتقالية امنها لها الحزب من خلال حركته تحت عنوان 8 آذار في 2005، استمرارا الى عودة العلاقات السورية – اللبنانية من الباب الواسع الى ما كان يشبه العلاقات السابقة في المضمون الى حد كبير من دون الشكل، ما دامت تجربة ادارة الوضع اللبناني عبر الحلفاء قد نجحت في المرحلة السابقة. ومن ضمن هذه المعطيات يعتقد انه لم يعد من مصلحة سوريا ولا من مصلحة الحزب في الداخل، خصوصا بعدما اصبح متحكما ويحاول الاندماج فيه اكثر فأكثر، ولو انه يحافظ او يحاول ان يحافظ على درجة من التعبئة لدى مناصريه خشية أن يؤدي حال اللاحرب واللاسلم في المنطقة لمدة طويلة الى فقدانه اي اسباب للقضية التي لايزال يبرر تسلحه وتعزيز موقعه من اجلها.
ولا تعتقد مصادر لبنانية عدة ان ثمة مخاوف ايرانية حقيقية من المفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة، لاقتناع بأن هناك تلاقي مصالح بين سوريا واسرائيل باعتبار ان الاخيرة لا ترغب، وليست مستعدة لاعادة الجولان وكذلك الامر بالنسبة الى سوريا غير المستعدة لاستعادة الجولان بدورها من خلال اقامة سلام مع اسرائيل على رغم ان الحركة او الكلام في اتجاه سلام يكسبان الجانبين اهتماما كبيرا من الغرب ومن الأدوار الاقليمية لتحقيق بعض المصالح.
لذلك فان النظر الى الامور من هذه الزاوية يدفع هؤلاء المراقبين الى الجزم بأن ايران ليست خاسرة على نحو جوهري في هذه اللعبة ما لم يطرأ في المدى المنظور ما يبدد هذا الاقتناع، حتى لو بدا كلام نجاد رسالة عن عدم تبدل الامور بالنسبة الى ايران موجهة للاستهلاك الايراني الداخلي في ظل ما يواجه النظام الايراني في الداخل، كما للاستهلاك الخارجي حول عدم فقدان ايران حليفها الاساسي لا بل الوحيد في المنطقة.