ثمّة أحداث تأسيسية وأخرى لا يبنى عليها والتاريخ اللبناني لا يدور في حلقة مفرغة
الجماعات لا تتخاصم أو تتصالح "بلا سبب"
ظاهر المشهد أنّ الجماعات الأهليّة تتخاصم حيناً وتتصالح حيناً في لبنان، وأنّها ما فتئت تدور في هكذا حلقة مفرغة، من دون عقال يعقلها، اللهم غير المصالح الآنيّة والهواجس الطارئة والعواطف الفوريّة. وظاهر المشهد أيضاً أنّ الجماعات الأهليّة في كل مرّة سعت فيه وراء خصام برز من بينها من يحفر فيه ويراه خصاماً تاريخياً يعود إلى مئات من السنين، وأنّه في كل مرّة سعت فيه هذه الجماعات وراء صلح قام أيضاً من يتحدّث من بينها عن علاقة تاريخية يمكن أن تتعدى الآلاف من السنين.
ولطالما يوحي ظاهر المشهد بأنّه عين المشهد وحقيقته، وأنّه كذلك "منذ البدء" وإلى أمد غير منظور، وأنّه غير قابل لأي تبديل أو تعديل، خاصة وأنّه كمشهد يحكم على الجماعات الأهلية بالتحوّل المستمرّ بين التخاصمات والتحالفات فالتخاصمات فالتحالفات من دون عقال ناظم رابط يتعدّى حدود اللحظة، وعلى أساس إسقاط كل ما يمكن إسقاطه من مأثورات تاريخية وغيبية على هذه اللحظة، وتصويرها بأنّها "الحدث" التأسيسيّ، الذي ليس قبله كما بعده، والذي يمكن استذكاره لاحقاً كواحد من "أيّام العرب" المأثورة، التي يجري تناقل مرويّاتها جيلاً بعد جيل.
ولو صحّ أنّ ظاهر المشهد كما وصفناه هو عين المشهد كما يحاول أن يوحي، فهذا يعني أنّ السياسة في لبنان غير قادرة على مراكمة الدروس والتجارب، وأنّه بالتالي لا يمكن تسخير السيرة السياسية لمشتمل الجماعات اللبنانيين ولكافة اللبنانيين بحيث يمكن إطلاق مشروع العبور إلى الدولة على نحو منهجيّ.
ولو صحّ أن ظاهر المشهد كما وصفناه، وأنّه عين المشهد وحقيقته وعلّته، لما أمكن أن تقوم في لبنان ثقافة وصارت كل حياة اللبنانيين في كافة الميادين تنويعة من لحظات الإسراف في المواقف الملهاتية يعقبها الإسراف في المواقف الإحتداميّة والمأسوية، إلى درجة اختلاط الحابل بالنابل.
ولو صحّ أنّ الأمور كذلك، لسادت السفسطة، ومعها تنصيب الحكم "النسبيّ" على الأمور مشاعاً مطلقاً، فتصير الحادثة مأساة أحياناً، وملهاة أحياناً، وقد تصنّف في خانة "سوء التفاهم" أو في خانة "الحبّ السريّ"، ليعاد بعد ذلك تصنيفها على نحو متقلّب عند كل ريح تهبّ، وعند كل رائحة، وبعد كل مطر.
لكنّ الأمور ليست كذلك. ظاهر المشهد لا يقول كلّ المشهد. ثمّة أيضاً دروس وتجارب تراكم. ثمّة بعد كلّ شيء، وخصوصاً في عصر "المرئيّ والمسموع" أرشيف مشترك للبنانيين ولصراعاتهم ومسارات تلاقيهم.
وقبل كلّ شيء ثمّة أحداث تأسيسيّة وأحداث قلّما يؤسّس عليها. وإلى اليوم فإن الحدث الأكثر تأسيسيّة في تاريخ اللبنانيين المعاصر كان 14 آذار. فـ 14 آذار بهذا المعنى تعبير عن العقل الوحيد الذي يمكنه أن يجعل الأحداث اللبنانية الأخرى لها معنى، وعلى أساسه يمكن النظر في أحداث بعينها والقول بأنّها ليست كالأحداث، غير متمّمة لشروط الحدثية، وأنّها ليست ذات كبير معنى.
فليس ظاهر المشهد هو جماعات تتناحر هباء ثم تشتعل في أحضان بعضها عشقاً وولهاً، دون منطق ناظم للانتقال من "هنا" إلى "هناك"، ولا مقدّمات شرعيّة.
ظاهر المشهد، كما حقيقته غير ذلك: إنعدام غير مسبوق في التوازن "الأمنيّ" بين الجماعات الأهليّة اللبنانيّة، عدم سحب آخر مشروع هيمنيّ على الجماعات الأخرى من التداول حتّى الآن، عدم اقتناع كل المتضرّرين من حدث 14 آذار 2005 بأنّه انتهى، واستمرارهم في الاشتباك معه بألف طريقة، مع الاستعداد كما ظهر في الأسابيع الأخيرة لنقل الصراع من "طائفي" إلى "ديني" لو تطلّب الأمر بغية استئصال جذوة 14 آذار: وهكذا لم يتردّد البعض في استهداف "البيئة المسيحيّة" بمجملها، بعد أن كان البعض نفسه يمنّي النفس قبل سنة من تاريخه بـ"تحالف الأقليّات".. والنظريّات "الاستشراقيّة" الأخرى قادمة على الطريق.. ودائماً لصالح "قوى الممانعة والمقاومة والصمود والتصدّي والرفض".
ظاهر المشهد: جغرافيا قلقة من "التفاوت الأمنيّ الرهيب"، ومن "الإشكال الديموغرافيّ الحتميّ"، ومن "الإنخراطات الإقليميّة غير المحمودة العواقب". هذا هو ظاهر المشهد حقيقة، وتلك هي حقيقته.