العالم العربي مختبر التعايش الاسلامي – المسيحي
لا شيء على الاطلاق يبرر ما تعرض ويتعرض إليه المسيحيون في الدول الاسلامية وبعض الدول العربية وخصوصا في العراق ومصر، ليس لان هؤلاء هم اهل البلاد الاصليين، ولا لانه كان لهم الباع الطويل في نهضة الدولة الاسلامية التي قامت بعد وفاة الرسول العربي محمد، علميا وثقافيا واقتصاديا وتنظيميا، بل لان القرآن الكريم، وفي اكثر من آية، والاحاديث النبوية، وفي اكثر من مناسبة، وما ورد في البشير وكتابات المؤرخين، جميعها كانت تدعو المسلمين الى معاملة المسيحيين «بالتي هي احسن»، فهم قوم «لا يستكبرون وطعامهم حل للمسلمين، ويعبدون الله الواحد، وهناك آيات عدة كرمت العذراء مريم، واعتبرت المسيح نبيا من روح الله، وكان منتهى العلاقة الطيبة والوثيقة بين الرسول وبين المسيحيين عندما ارسل النبي العربي مئات العائلات التي اعتنقت الاسلام الى الحبشة المسيحية ومليكها المقوقس القبطي، لتحتمي هناك من بطش قريش ومطاردتها للذين قالوا ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، وعندما توج هذه العلاقة باختياره ماريا القبطية المصرية زوجة له، والتي كانت المفضلة عنده وانجبت له صبيا اسماه ابراهيم تيمنا بالنبي ابراهيم، لكنه توفي في عمر السنتين، وحزن عليه الرسول محمد حزنا شديدا وبكاه بكاء مرّاً، على ما جاء في كتاب «نساء النبي» للدكتورة عائشة عبد الرحمن المعروفة باسم بنت الشاطئ، نقلا عن كتابي الاستيعاب والسمط الثمين، واوردت بنت الشاطئ في كتابها، فصلا كاملا عن ماريا القبطية (ام ابراهيم) توجته بحديث شريف يقول فيه الرسول للمسلمين: «استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما».
وفي حديث لأبي ذر الغفاري الذي نقل وصية للنبي محمد، قال «إنكم ستفتحون مصر..
فاحسنوا الى اهلها، فإن لهم ذمة ورحما» او قال: ان لهم ذمة وصهراً…».
* * *
إن بعض المسلمين لا يقرأون مع الانصار القرآن الكريم، او الاحاديث الشريفة او الكتب التفسيرية الصادرة عن مرجعيات روحية صادقة في روح التفسير، او انهم يقرأون ولا يستوعبون سوى ما يقال لهم، او يقرأون ويفسرون على ذوقهم، ويتصرفون من وحي هذا التفسير المغلوط، وما يحصل للاقباط في مصر منذ مدة، وما يحصل في العراق ودول اسلامية اخرى، يدل على ان هؤلاء في مكان، والدين الحقيقي في مكان آخر، والارهاب وعمليات القتل والتفجيرات التي تحصد الابرياء باسم الدين، هي اعمال مدانة في كل عصر وزمان ودين، ويلجأ مرتكبوها الى اعذار واهية واسباب ساقطة يختبئون خلفها ليس الا، والسبب الذي تسلح به مرتكبو مجزرة نجع حمادي المصرية في ليلة ميلاد «عيسى ابن مريم روح الله» والتي ذهب ضحيتها ستة اقباط اوصى بهم النبي محمد، واثنان آخران هما على دين محمد، وكلهم ابرياء، كان يمكن فهمه لو ان مصر تعيش في فوضى وليس هناك دولة او محاكم او قوى امن، لتحاسب مجرما قبطيا اغتصب فتاة مسلمة، وتنزل به اقصى العقوبات، حتى ولو كانت عقوبة الاعدام، ولكن عملية القتل هذه التي سبقها ولحقها عمليات قتل وحرق وتدمير منازل ومحال تجارية، لم تكن للانتقام لهذه الجريمة المدانة، بل هو تجسيد للشحن الطائفي الذميم والمتفشي منذ حوالى العقدين ضد المسيحيين في العالم او الصليبيين – كما يحب ان يدعوهم اصحاب الفكر التكفيري – بحجة ان اسرائيل او الولايات المتحدة الاميركية او اوروبا تعادي المسلمين، يجب ألا يطاول المسيحيين لانهم جماعة مختلفة، وخصوصا ان القرآن ألزم المسلمين «بألا تزر وازرة وزر اخرى».
* * *
امام الحكام العرب، وامام المسؤولين الروحيين المسلمين واجب، يفترض بهم شرعا ان يؤدوه تجاه المسيحيين في الدول العربية اولا، وفي العالم ثانيا، ليس بدافع الغيرة على الوجود المسيحي والمسيحيين، بل انصياعا لما أتت به تعاليم القرآن ووصايا النبي العربي والخلفاء من بعده، ولم تعد تكفي مواقف الشجب والاستنكار الخجولة، وكان لافتا ما صرح به بطريرك الاقباط الانبا شنوده للتلفزيون المصري من ان نية الرئيس المصري حسني مبارك الطيبة لا تترجم على الارض من المحافظين والمسؤولين السياسيين والامنيين الذين تتحكم بهم العصبية الطائفية.
اذا كان من امكانية للتعايش بين الديانات فالارض العربية هي المختبر الطبيعي والحكم.