كتبت دنيز عطالله في صحيفة "السفير": تحمل الكنيسة المارونية ملفات كثيرة تسعى الى مقاربتها في هذه الفترة بأكبر قدر من المسؤولية «الضميرية» والأمانة التاريخية وبالقدر المطلوب من التكتم والتروي. واذا كان «النفس الطويل» هواية كنسية مزمنة الا ان الكنيسة تعتبر ان معالجة بعض الملفات قد آن أوانه.
تعمل الدوائر الكنسية على اختلاف اختصاصاتها على مواضيع محددة: المصالحة المسيحية، تملك الأجانب، إنشاء صناديق تعاضد، ورشات تربوية، تحضيرات في أوائل الصيف لانتخابات رهبانية، تأطير العلاقات مع الانتشار وتعزيز المأسسة في هذا المجال… وكلها ملفات ستظهر نتائجها تباعا.
ووسط ذلك كله لا تنسى الكنيسة «دورها في التأكيد على الثوابت الوطنية وقول كلمة الحق» على ما يؤكد مسؤول كنسي لـ«السفير».
ويدرج هذا المسؤول الكلام الأخير للمطران رولان ابو جوده حول «التحديات التي تواجه المسيحيين وأبرزها السلاح المنتشر داخل المخيمات وخارجها وترسانة السلاح الخاصة بحزب الله» في اطار تأكيد الموقف والمبدأ. يقول «الكنيسة تقول قناعاتها وتكررها لتبقي قضيتها حية في العقول والنفوس. قد لا يكون لكلامها صدى وترجمة آنية، لكن المبدأ لا يرتهن لوقت او زمن».
يعود المسؤول الكنسي «الى زمن غير بعيد حين زال الاحتلال الإسرائيلي فأعارت الكنيسة صوتها لكل من لا صوت لهم في ندائها الشهير في العام 2000. لم تسكت الكنيسة يوما عن تجاوزات الوجود العسكري السوري في لبنان. قالت قناعاتها في الزمن الصعب واستمرت تقوله على الرغم من بقائها وحدها في وجه العاصفة». يضيف «اليوم يتكرر الموقف نفسه. نحن نقول قناعتنا وكما جاء في نداء سنة 2000 نجهر بالحقيقة على ما هي راسخة في النفوس دون مواربة او تحفظ». يستغرب بعض ردود الفعل «التي تحزننا اكثر مما تغضبنا. فعدم الإقرار بوجود خلاف واختلاف يزعزع أسس لبنان . علمتنا التجارب ان اي سلاح خارج المؤسسات الأمنية الشرعية يهدد لبنان وقيام دولة قوية فيه. وان استعمال لغة الفرض والتعالي تسبب بخسارة الجميع. على اللبنانيين ان يتعلموا من تجاربهم: لا يمكن ان يقوم هذا البلد بإحساس متعاظم لدى البعض بالقوة وإحساس متزايد لدى آخرين بالتهميش».
هذا في الشأن الوطني العام الذي له ترجماته في «يوميات» متعددة الوجوه.
من الملفات التي عملت الكنيسة على التحضير لها موضوع تملك الأجانب في لبنان. فقد قام «مركز الأبحاث والتوثيق الماروني» الذي يديره المونسنيور كميل زيدان ويرأسه المطران سمير مظلوم بدراسة معمقة وبأبحاث خلصت الى تكوين صورة واضحة عن تملك الأجانب في لبنان بالأرقام والنسب، بعيدا عن المزايدات السياسية والمناكفات والاتهامات. وسيتم عقد مؤتمر قريبا حول هذا الموضوع في جامعة «الحكمة» في بيروت للإضاءة على هذا الموضوع ومناقشته وصولا الى توصيات فيه، وربما اقتراحات قوانين وإجراءات كما أشار بعض المطلعين على تفاصيل العمل.
ولان الكنيسة تعتبر «ان تراجع دور المسيحيين الاقتصادي ينسحب بالتالي على حضورهم الوطني ودورهم السياسي في عالم يزداد هذا التداخل فيه» كما يقول احد الآباء المسؤولين فان «الكنيسة وبتوجيهات المجمع البطريركي الماروني تعمل مع عدد من العلمانيين أصحاب المبادرات على تعزيز صناديق تعاضد موجودة ولكن بخجل، اضافة الى انشاء صناديق تعاضد جديدة تسهم في مستويات مختلفة من التربية الى الإنماء الى السكن وتمويل مشاريع منتجة». ويضيف «هذا على نطاق محلي، اما في الاطار الأوسع فان العمل جار على وضع تصور لتحفيز اللبنانيين المغتربين على الاستثمار في بلدهم، واننا نسعى الى مخاطبة مصالحهم وليس فقط على الطريقة التقليدية القديمة التي تدعوهم الى المساعدة والتبرع. لبنان ارض خصبة للاستثمار ويفترض ان يكون لأبنائه أفضلية في ذلك».
وملف المهجرين من الملفات التي تواصل الكنيسة العمل عليها بصمت، وكالحفر بالإبرة. فبرأي أسقف مطلع «ان الجدران بين اللبنانيين لن تسقط نهائيا الا بعودة العيش المشترك فعلا ويوميا واستعادة التلاقي اليومي والجيرة». ويضيف «ان الكنيسة استعادت حضورها المؤسساتي، مدارس وأديرة ومستشفيات في معظم المناطق اللبنانية. في بعض مدارسنا في الجنوب مثلا أكثر من 90 في المائة من طلابنا غير مسيحيين. لكننا نصر على هذا الوجود والانتشار. نراهن ان حضور أديرتنا والكنائس يشجع الناس أكثر على العودة». يقول «لا نملك مشروعا للعودة وآلية محددة. لكن كثرا من السياسيين ومن طوائف مختلفة أشاروا الى ان هذه السنة ستشهد تطورا هاما على هذا الصعيد. نحن مستعدون للدعم والمساعدة وفق إمكاناتنا، انما هذا الملف يجب ان يطوى. نحن نتابع وان كنا لا نملك في هذا المجال سوى المراجعة والكلام».
الى هذه الملفات تناقش الكنيسة هموما داخلية لها، انعكاساتها الوطنية. يحكى عن التوجه اكثر نحو مأسسة عمل البطريركية والربط بفاعلية اكــبر بينها وبين ابرشيات الانتشار.
يتم في بعض الأديرة إعادة قراءة التاريخ الماروني على ضوء الوقائع والحقائق بعيدا عن «الاسطورة» المؤسسة، للوصول الى كتاب تاريخ داخلي موحد، يعرف بالانجازات المارونية وتأثيرهم الجوهري في الحياة اللبنانية، ويشير في الوقت نفسه الى إخفاقاتهم في بعض المحطات.
والى ذلك، فان الكنيسة تتابع موضوع المصالحات المسيحية عبر اكثر من قناة. وإذا كانت المصالحات «الكبرى» موكلة الى الرابطة المارونية وأفراد آخرين مصدر ثقة، فان تدخل الكنيسة في مصالحات «صغرى» يأخذ حيزا من الوقت والاهتمام، وليس آخرها الحساسيات المتزايدة في زغرتا وانقسام الرعية.