كتبت مارلين خليفة في صحيفة "السفير": يصطفّ دروز لبنان بغالبيتهم اليوم وراء زعامتهم التاريخية الأولى المتمثّلة برئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط انطلاقا من مقولة «الزعيم حامي الطائفة»، إلا أن المزاج الدّرزي الشعبي والديني غير مرتاح للصورة المظهّرة للموقف الجنبلاطي «السريع»، وهو يناقش زعامته حول القضايا السياسية المطروحة ودور الطائفة ومستقبلها وهويتها في سابقة غير مألوفة وصلت حدّ انطلاق أصوات نقدية على «تحوّلات» جنبلاط من داخل الطائفة والحزب ما يحتّم عليه عمليا إعادة تنظيم شؤونه الداخلية، الحزبية والدرزية.
من جهة ثانية، اكتشفت الشخصية الدرزية الثانية المتمثلة بالنائب طلال أرسلان أهمية أن يكون للإرث العائلي امتداده الحزبي لذا يعكف قياديوه على بلورة التنظيم في الحزب «الديموقراطي اللبناني» لأن المواقف السياسية ولو أرضت شرائح واسعة من القاعدة فإنها لا تعبّئ فراغ الساحة.
وفي سابقة في تاريخ الدروز يبدو بأنّ رئيس «تيار التوحيد» الوزير السابق وئام وهاب ماض بجدية في مشروع كسر الثنائية الجنبلاطية اليزبكية وفرض خطّ سياسي درزي ثالث يعتبر بأنه أصبح أمرا واقعا مع وجود 2500 منتسب الى «التيار» بحسب مسؤول الإعلام فيه هشام الأعور، ومع خطط تنظيمية لاستقطاب المزيد من الشباب الدرزي.
أصوليّة كامنة
يبرز تنافس شديد على الإمساك بقرار طائفة الموحّدين وثمة أصولية درزية مرشحة للتنامي، خصوصا عند بعض المشايخ، وتعبر عن نفسها داخل الغرف والمجالس المغلقة، لكنّ هذا الجو الديني يجد صداه في الأوساط الشعبية وخاصة خارج منطقة الشوف.
ويقول شيخ درزي ثمانيني كان مقرّبا من النائب جنبلاط سابقا، لـ«السفير» أنّ جنبلاط يتنقّل من جهة الى أخرى، تارة مع هذا وتارة مع ذاك، «ونحن كموحدين لا يمكننا أن نغيّر هويتنا وهي ثابتة». يعيش هذا الشيخ في المتن الأعلى ويرفض ذكر اسمه في الإعلام لما لذلك من زجّ له في الجدل السياسي وهو ما لا يستسيغه، لكنه يؤكد من «موقعه المحايد» حاليا، بأنّه يشاركه في رأيه غالبية درزية في لبنان وسوريا «مع أنني رجل دين منفتح وقراءتي الدينية جديدة تتفق مع الزمان والمكان فإنني أعتبر أن ما يحصل قد يؤدي الى نشوء أصولية درزية دينية، فالدروز اليوم يرفضون مواقف جنبلاط التي تهدد هويتنا».
المواقف التي يشير إليها الشيخ المذكور وهو من أصول فكرية تنوخية تغمز من قناة رفع الصلاة من دار الطائفة ونقلها على التلفزيونات عشية الأعياد الإسلامية، منبّها الى بعض الممارسات المستجدة في المدارس من صيام وطقوس دينية إسلامية «أنا ضدّ هذه المظاهر وهي غير موجودة في ديننا، فنحن لسنا مضطرين الى العودة الى التاريخ وممارسة شعائر لا نمارسها من صلاة وسواها. وكعارف في الدين والجوهر أقول بأن أي دين يعود الى الأصولية يبدأ إفلاسه بالتالي إن التظاهر بعادات دينية ليس من شيمنا، وما اشار اليه جنبلاط في حديثه عن عودة الفروع الى الأصول مرفوض درزيا».
هذا التحليل الغارق في الدين له أبعاد سياسية إذ يقول الشيخ المذكور: «ثمة لعبة خطرة تلعب اليوم فنحن نرفض التوريث بالمطلق ونرفض توريث تيمور جنبلاط انطلاقا من الضاحية (الجنوبية)، نحن والموارنة من الطوائف المؤسسة للكيان في جبل لبنان، فيما نتساكن مع الشيعة لكننا دروز ولنا هويتنا التي تعود الى عمر الكون».
يشير الشيخ المذكور الى أن كلامه لا يعني أنه ضد وليد جنبلاط في السياسة «فوليد بك هو قطب سياسي له احترامه لكن لا ينبغي تسخير الهوية الدرزية للعبة السياسية». ولدى سؤاله عن موقف الشرائح الدرزية الواسعة من الانعطافة الجنبلاطية الأخيرة تجاه سوريا وحلفائها قال: «يريد الدروز 14 آذار، هذه كلمة صريحة والجميع يرفض ما يجري وأي خطّ ثان غير 14 آذار لن يمشي درزيا». هذا المزاج الديني يعبّر عن شريحة درزية كبيرة، ليست ضدّ وليد جنبلاط لكنها غير قادرة على «ابتلاع» مواقفه بسهولة… ولو أنها تسلم له بزعامته وبقدرته على التقاط اتجاه الريح وتحديد الموقف الذي يناسب المصلحة العليا للطائفة.
يتكاتف عدد بارز من الشخصيات السياسية الدرزية على إخفاء هذا المزاج وإن ظهّره بعضها فمن دون ذكر اسمه. يقول أحد الرموز اليسارية في الجبل وهو مؤيد لقوى 14 آذار في منطقة عاليه: «تقبّل الناس مواقف وليد بك على مضض لأنه الزعيم والمرجع ولن تكون حالات اعتراضية منظمة ضده البتة. يعترف الدروز بأن تحولات جنبلاط هي لحماية الجبل ولبنان لكنهم يرفضون أن يقوم بالإنحاء للأطراف الموالية لسوريا، والقيام بزيارات لحلفائها في لبنان».
يردف: «يرى الدروز في ذلك إذلالا». يضيف: «جميع الطوائف الأخرى حيّدت نفسها في حوادث أيار 2008 أو استسلمت، فيما المناخ الدولي الذي حفّز «وليد بك» على اتخاذ مواقفه ضد سوريا و«حزب الله» خذله، في هذا الوقت كان خطاب قوي حرّك الذكرى في اتجاه استشهاد كمال جنبلاط، وبعد الهزيمة لقوى 14 آذار برر الدروز الانعطافة لكنهم لم «يهضموها». وتختصر شخصية درزية فاعلة اجتماعيا في منطقة الشوف المشهد الدرزي بقولها: «جميع الدروز اليوم لا يزالون تحت راية وليد جنبلاط وتحت السقف السياسي الذي وضعه ولم يخرج احد من تحت مظلته لكن الأحاديث الخاصة بين الناس تحفل بالتساؤلات».
«أمزجة»
مزاج الدروز اليوم هو في الواقع «أمزجة» لا تلتقي ولن تلتقي إلا في مناسبة وحيدة: عندما يدقّ الخطر أبواب الجبل مهددا الوجود وهذا ما شعر به الدروز إبان حوادث أيار 2008، وما زكّى هواجسهم غياب أي راع إقليمي أو دولي لهم في ظل العداء الذي استحكم ضد سوريا. وبناء عليه وجد الدروز أنفسهم «مستفردين» في معركة مع «حزب الله» فيما الطوائف الأخرى إما حيّدت كما المسيحيين أو استسلمت بسرعة كما السنّة. بعد هذه الحوادث التي عززت العصب الدرزي جاءت قرارات جنبلاط «الواقعية» كما يصفها قياديو «الاشتراكي»، وملخصها أنه «لا ينبغي أن يدفع الشارع الدرزي ثمنا غير مبرر، فكان قرار التموضع الجديد وفك الاشتباك وإدخال البلد في مرحلة جديدة».
هذا التفكير القيادي غير الشعبوي لم يلق استحسان كثر من أبناء الطائفة وعبّرت عن ذلك ملاحظات يرددها البعض على مسامع جنبلاط في مناسبات اجتماعية حتى أن المشايخ انقسموا بين «عقال» يؤيدون فك الاشتباك «لكن ليس عل حساب كراماتنا» فأخذوا بيد وليد بك شرط «أن يكون الدروز معززين مكرمين»، في ما بقيت مجموعة منهم على موقفها «وتشكل حالة قابلة للظهور عند أي توترّ لكنها تحت السيطرة» بحسب مسؤول اشتراكي مشيرا الى أنّ بعض المشايخ يجتمعون دوريا مع عدد من الشباب في بعض القرى مصوبين السهام الى سلوك جنبلاط السياسي وخصوصا تلك الجماعة التي انبثقت عن حركة «الداعي عمار» الذي قتل في حوادث أيار 2008.
جوّ اشتراكي
تأتي مصالحة الضاحية الجنوبية والشويفات، أمس، على خلفية هذا المزاج الدرزي الذي يحوي في ثنايا قراه في كيفون والقماطية وعالية وعلى تخومه، مزاجا شيعيا، أخذا في الاعتبار أن الجوّ تجاه الشيعة «لا يزال غير صاف كليا وخصوصا في مناطق التماس» كما يقول مصدر اشتراكي.
يرى الدروز بحسب أكثر من مصدر اشتراكي أن «لا تجارب مريرة مع «حزب الله» والشيعة ولا حروب مستشرية لذا من السهل أن تندمل الجراح بشكل سريع»، فيما التنسيق بين الحزب التقدمي و«حزب الله» متنام عبر اللجنة المشتركة التي تضم الوزير أكرم شهيب والحاج وفيق صفا لمعالجة أية مشاكل قد تنشأ كما أن اللقاءات لدى القواعد الوسيطة وفي قطاعات الطلاب والمهن مستمرة وتوحي بمرحلة جديدة مع «حزب الله».
في موضوع الزيارة الى سوريا «يريد الدروز أن يذهب زعيمهم الى دمشق مرفوع الرأس لأنه يمثل معنويات الدروز أجمعين» تقول شخصية اشتراكية.
يعكف الحزب التقدمي اليوم على تحسين أدائه الحزبي عبر إعادة النظر في بنية التنظيم بدءا من 2 آب الفائت، حيث يتم تنظيم القواعد الحزبية وتثقيفها وضخّ عنصر شبابي في الجسم الحزبي ومناقشة واسعة للقضايا السياسية وإيجاد السبل لتعميمها داخل القواعد الشعبية عبر الوكالات الحزبية في المناطق والفروع وهي زهاء 14 وكالة داخلية كلّ واحدة منها تشمل بين الـ40 والـ50 قرية. تغطي هذه الوكالات لبنان بأكمله حيث يوجد 7 منها في الجبل وتتوزع البقية بين حاصبيا وراشيا والجنوب والبقاع الأوسط وبيروت والمتن الشمالي والشمال. هذه الورشة «تدار من قبل رئيس الحزب وأركانه ولا يتدخل فيها تيمور جنبلاط الذي يقتصر دوره على المعرفة والإصغاء ومواكبة رئيس الحزب» كما يقول قيادي اشتراكي.
…وثان أرسلاني
في المقلب الدّرزي الآخر يعتبر الدروز الأرسلانيون بأن «انعطافة وليد جنبلاط نحو الموقع الطبيعي والتاريخي للحزب التقدمي الاشتراكي وللطائفة الدرزية بدأت من خلدة». يقول نائب رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب السابق مروان أبو فاضل: «ثمة حديث بالعمق عن موقع رئيس الحزب الديموقراطي وحزبه وثمة آلية مقترحة في هذا الشأن علما بأن مقعد المير في طاولة الحوار لا يزال محفوظا».
ينكبّ الحزب الديموقراطي من جهته اليوم على تقوية بنيته الحزبية، ويقول أمينه العام وليد بركات: «تمت إعادة تشكيل الهيئة التنفيذية وإعادة تعيين رؤساء الدوائر الحزبية على مستوى كل بلدة وقضاء، وبات الحزب الديموقراطي منتشرا في أكثر من 80 في المئة من قرى الجبل وحاصبيا، وقد تمّ تعيين هيئة مجلس الشورى واستحداث جمعية الكشاف الديموقراطي ومنتدى الشباب الديموقراطي والمنتدى النسائي».
العلاقة بين «المير طلال» ورئيس حزب التوحيد وئام وهاب غير ودية، وهو لم يحضر غداء الجاهلية. العتب المعلن بأن «وهاب يتهجم على المير في أكثر من مناسبة»، وفي الكواليس أقوال عن أن وهاب يريد فرض نفسه زعامة سياسية ثالثة في الشوف وهذا مستبعد بنظر مصدر موال لأرسلان «لأن للزعامتين الأرسلانية والجنبلاطية جذورهما التاريخية».
…وثالث «وهّابي»
يقول رئيس «تيار التوحيد» وئام وهاب: «كانت الأجواء مع الأمير طلال أرسلان على ما يرام قبل 3 أعوام ونصف العام حين كنا نزور سوريا سويا الى أن أسست تيار التوحيد في أيار 2006 فحصل تباعد مفاجئ، ثم عقد اجتماع بيننا بهدف المصالحة اعتبر فيه المير طلال أنّ تيار التوحيد سيخلق فريقا ثالثا في الجبل، فهو يعتبر بأنّ وليد جنبلاط هو رقم لا يمكن تجاوزه في ما يبقى هو الرقم الثاني رغم فارق الأحجام وأن تيار التوحيد يمكن أن يأخذ من شعبية عائلات تخص آل أرسلان على الرغم من أن كل العائلات مخترقة». يضيف: «نحن خارج الصراع التقليدي، حالة تغييرية تضم أعضاء في مجلس الأمناء والمكتب السياسي من عائلات مختلفة والصراع المنشود دوما من قبل البعض هو بهدف استمرار الهيمنة على الناس ولا مبرر تاريخيا له».
ويقول مسؤول الإعلام في «تيار التوحيد» هشام الأعور «التيار يتمدد ونحن نؤسس مفوضيات وآخرها مفوضية في الشويفات حيث لدينا 80 منتسبا».
وردّا على قول خصومهم بأن حالة حزب التوحيد ووئام وهاب هي «إعلامية» قال الأعور: «ليس رمينا بالنعوت إلا للهروب من الاعتراف بوجود حالة درزية ثالثة في الجبل باتت مثبتة على الأرض إذ لدينا 55 مفوضية موزعة بين حاصبيا وراشيا والمتن والجرد وعاليه والشوف، وقد أسسنا الى جانب تيار التوحيد وهو علماني التوجه ومتنوع «هيئة العمل التوحيدي» وتضم 300 شيخ في ما يضم التيار اليوم 2500